
القراءة ضرورة حيوية
القراءة ضرورة حيوية
القراءة متعة عظيمة، ولذة كبيرة لاتتقيد بزمان، ولا ترتبط بمكان، فالإنسان يستطيع أن يقرأ وقتما يشاء، وأينما يريد، وهي نوع من رياضة العقل، لكن آفتنا في الوقت الحاضر أننا لا نقرأ كما ينبغي، ولا تحظى الثقافة عندنا بما تستحقه من إكبار وإجلال بحيث أن العقل لا يرقى عندنا إلى مستوى المعدة، وليست قيمة الكتاب بأثمن من الرغيف !

أزمة القراءة:
الشعب الذي لا يقرأ، لا يستطيع أن يعرف نفسه، ولا أن يعرف غيره، والقراءة هي التي ترشدنا إلى المكان الذي وقف فيه السلف من قبلنا، ووصل إليه العالم من حولنا، والذي يجب أن نبتدئ منه نحن لفهم حاضرنا وبناء مستقبلنا، لكي لا نكرر الجهود التي بذلها السابقون، ولا نقع في نفس الأخطاء التي ارتكبوها. وهذا ما عبر عنه الدكتور محمودمحمد صفر في في كتابه" دراسة في البناء الحضاري" حينما قال:" توقفنا عند نهاية المسيرة لتراثنا، بينما عكف الغرب في فترة انحطاط المسلمين، التي صاحبت ذلك التوقف، على علومهم، ونهل من معارفهم، وأسس على بذورها، وبأنفاسها قلاعه الحضارية الشامخة، التي ما فتئ يرفع من ناطحاتها، ويعلى من سوامقها من خلال كشوفه ومخترعاته، في مجالات العلوم والتقنية، والمؤسسات والنظم التي غمرت العالم كله من مشرقه إلى مغرب.".
أحداث كثيبرة تمر بنا، وأزمات عديدة تقع ضحيتها دون أن نستطيع قراءتها في ضوء التاريخ، ولا في ضوء الواقع، فضلا عن المتوقع، فوقائع جمة تكون قبل وقوعها، قد خطط لها بدقة، وكتبت حولها دراسات ترجمت إلى لغتنا العربية، ونشرت في أوطاننا، وتم التعرض لها في مقابلات صحفية أجريت على أرضنا، مرر نا بها جميعا كأننا لا نقرأ، أو كأنها لا تعنينا.
وإذا كانت في البلدان العربية الإسلامية إحصاءات مضبوطة حول عدد الأميين، فإنها لا تعرف إلا القليل جداً عن ملايين البالغين من غير الأميين الذين يندر أن يفتحوا كتابا أو مجلة.
القيمة الثيمنة للقراءة:
تكونت في عالم الثقافة، وعلوم التربية، وجهة نظر تؤكد الحاجة المتزايدة إلى إضافة المعلومات الجديدة إلى المعلومات السابقة، فالمختص المعاصر عليه أن يضع في حسابه دائماً أن ما يعادل عشرة إلى عشرين بالمائة من المعلومات التي بحوزته قد شاخت، وعليه أن يغيرها، بل ذهب كثيرون إلى أن المناهج التعليمية التي تحتوي على معلومات حيوية قبل عشر سنوات، يجب أن تستبدل الآن.
وعلى الرغم من تعدد وسائل الاتصال والثقافة في العصر الحديث من إذاعة وتلفاز وفيديو وسينما، فإن القراءة ما زالت تحتفظ بأهميتها، فالقارئ اليوم يملك القدرة على اختيار المادة التي تخدم حاجاته، والوقت والمكان المناسبين للقراءة.
وإمكان التوقف عن القراءة لتأمل الأفكار المعروضة ومراجعتها لتثبيتها ، أو مناقشتها ونقدها، أو التعمق فيها وتذوقها، يقول مثل صيني:" أسمع فأنسى، وأقرأ فأتذكر ...".

مهارات القراءة:
سمحت الأبحاث التي أجريت حول آلية القراءة في القرن الحالي، باستخلاص معلومات جديدة عنها.
فالقراءة تتم بحركات تقوم بها العينان، إما متقطعة أو على فقرات صغيرة، تفصل بينها وقفات قصيرة، وليس بحركة مستمرة تمسح الصفحة بكاملها، وعدد الكلمات التي يتم التعرف عليها خلال الوقفة ترتبط بذكاء القارئ، واستئناسه بالموضوع، وممثله للأفكار، ومن ناحية أخرى بالخصائص المادية للنص المقروء المتعلقة بالخط، وتركيب الجمل، ووضوح الأسلوب.
إن الحرص على سرعة القراءة يتطلب التقليل من وقفات العينين في أثناء القراءة، لكن الدراسات أثبتت أن هذه الوقفات تعكس إلى حد كبير ما يجري عند ما يحلل العقل ما يراه البصر، فإذا حصل عجز أو غلط أو خطأ في التفسير، فإن العينين سرعان ما تدفعان القارئ للعودة إلى النقطة التي سببت إرتباكه، لذا فإن براعة الكاتب وبلاغته ترتبط بمقدار نجاحه في إيصال أفكاره إلى القارئ في انسياب، دون إسفاف أو تعقيد.
القراءة الجهرية والقراءة الصامتة:
أثبتت الدراسات أن عين القارئ الجهري تسبق صورته بما يتراوح بين أربعة وستة كلمات، مما يدل على أن القراءة الجهرية أبطأ، حيث تضطر العين لانتظار نطق اللسان بالكلمات.
فالقراءة بصوت عالٍ تعين على تقسيم الكلام حسب معناه في أدائنا الصوتي له، فإذا ما تعودنا هذا النوع من القراءة، انتقلنا إلى القراءة الهمسية، ثم الصامتة التي تتيح لنا سرعة أكبر في القراءة، بعدما تمكنا من السرعة في لمح المعنى عن طريق القراءة الجهرية، فالإنسان يتكلم ما بين 100 – 125 كلمة في الدقيقة، والقارئ الجيد بإمكانه قراءة مائتي كلمة في الدقيقة.
أما بالنسبة للأطفال فيرى المتخصصون ضرورة البدء بتعويدهم على القراءة الصامتة المبنية على أساس الفهم، مع القيام بحركات سليمة للعينين دون تحريك الشفتين أو تمتمة الألفاظ ، فإذا أتقنوا القراءة الصامتة مع لمح المعاني بسرعة، انتقلوا إلى القراءة الجهرية، مزودين بالقدرة على سرعة القراءة وسرعة الفهم.
وعموماً، فإن القراءة الصامتة هي الهدف النهائي للتعود، لأنها تعين على الفهم والتأمل الناقد وتقلل الوقت وتختصر الجهد وتحد من تحركات العينين وتوقفهما وتراجعهما..
بينما القراءة الجهرية تعود على سلامة النطق، ومخارج الحروف، وقواعد اللغة والإعراب، وهي ضرورية في حالات معينة: مثل قراءة قصيدة أو مقطوعة للسامعين، وإلقاء تعليمات، ورواية خبر، واسترجاع تقرير، وإلقاء محاضرة، ولها قواعد يهملها بعض المذيعين والخطباء والمتحدثين، فيجعلون أنفسهم عرضة للسخرية والتهكم !.
وتتطلب القراءة الجهرية قدرات ينبغي اكتسابها والتدرب عليها مثل تحري الدقة في التعبير وإظهار مخارج الحروف بشكل واضح ونطق الكلمات بكيفية مستقلة وإشراك الملامح، واليدين في توضيح النص المقروء.
كما تقتضي معرفة دقيقة بقواعد اللغة والصرف، ومقدرة على الفهم السليم لسياق المعاني والمفاهيم.

القراءة السريعة والقراءة البطيئة:
إن القارئ الناضج يتوخى من قراءته الفهم الدقيق والعميق للنص المقروء، والغوص إلى المعاني، واستشفاف المقاصد الكامنة وراء السطور، وتتبع منهجية الكاتب في تحليل الموضوع وترتيب الأفكار، ولن يتيسر له ذلك إلا بالقراءة البطيئة التي تساعد على التوقف عند بعض النصوص الغامضة، والتعابير المستغلقة والتأمل في الاستشهادات التي يسوقها الكاتب والاستمتاع ببلاغة النص، وروعة إنشائه ودقة تعابيره.
ولعل أحوج القراءة إلى القراءة البطيئة المتأنية من يعكف على نص تراثي مخطوط، بهدف تحقيقه والتعليق عليه، حيث يضطر إلى الاستعانة بمراجع أخرى حتى يطمئن إلى صحة استنتاجاته، والشيء نفسه ينطبق على القارئ الدارس الذي يحتاج إلى هضم المواد المقروءة بالتمعن فيها، وتكرارها واعتصار خلاصتها، والربط بين أفكارها.
نحن نعيش الآن عصر المعلومات التي تتجدد مرة كل ثلاث سنوات وتتنوع طرق تقديمها، فالعلوم لم تعد مقتصرة على بعض الكتابات التي إن حصلها ا لإنسان ساعدته على فهم ما يجري حوله، إذا تداخلت التخصصات وتعقدت المناهج، وتراكمت التجارب، مما يبرز الحاجة إلى طرائق أسرع، تجعلنا قادرين على الإحاطة بتضخم الثقافة في عالمنا المعاصر وعدم التخلف عن ركاب العلم.
ومن الطرق المساعدة على التعجيل بالقراءة، التصفح السريع للنص، بشكل يساعدنا على إدراك مقصد الكاتب، وتمييز أفكاره الرئيسية، فلا نقرأ كل كلمة، بل نلامس سطح الفقرات، ويجب أن نوقن بأن بعض جوانب النص يمكن أن تفوتنا..
وتوصف القراءة السريعة بأنها تعتمد على إدراك الجملة، وفهم معناها بالنظرة الواحدة الشاملة دون قراءتها كلمة كلمة، فالقارئ يتعرف إلى مجموعة الكلمات بشكلها العام، ومعالمها المميزة بوصفها وحدات إجمالية، وحين يصادف كلمة جديدة أو غير مألوفة، يتوقف برهة ليستخرج معناها من السياق، وكلما زادت ألفته لما يقرأ قلت وقفاته..
والخلاصة، أن القارئ الجيد الناضج هو الذي يستطيع أن يلائم بين غرضه من القراءة وبين درجة سرعته فيها، وتكون لديه المقدرة على التمييز بين قراءاته التي يهدف من ورائها إلى تنمية ثقافته العامة، والإلمام بمختلف المستجدات بشكك لا يجعلها تفوته، وبين القراءات التي تدخل ضمن مجال تخصصه المهني أو العلمي التي تقتضي تركيزاً وتعمقاً، واستيعابا،ً وبالتالي تخصيص وقت أطول، وجهد أكبر.
شروط القراءة الناجحة:
لكي تكون قراءة الشخص ناجحة ومثمرة، عليه مراعاة الشروط التالية، فهي تساعده على بلوغ هذا الهدف:
· اختيار الجلسة الصحيحة في أثناء القراءة، إن الجلسة المستقيمة واليقظة والاستعداد يساعدان كثيراً في تفهم القراءة، وينصح بعدم الذهاب إلى فراش النوم لإتمام قراءة كتاب، لأن فراش النوم لا يصلح للقراءة المركزة والجادة.
· تحديد فترة تقريببية للانتهاء من القراءة، فعند ذاك لن يضيع من الوقت شيئاً لأن تسديد الوقت سيؤثر على الأجل المحدد.
· قراءة الكتب الصغيرة والمتوسطة الحجم في البداية، ثم التدرج بعد ذلك بقراءة الأكبر منها حجماً حتى لا يحدث الملل والضجر منذ البداية، فالنفس تكره إلزامها بشيء لم تتعود عليه، حتى إذا حصلت الألفة، أقبلت دون عناء !.
· قراءة ما تحب من الكتاب، وما تجد في نفسك ميلا لقراءته، ولا تلزم نفسك بقراءة الكتاب بأكمله، إن لم تجد في نفسك استعداداً لذلك، فاقرأ ما يهمك، واترك ما لا يهمك لآخرين يهتمون به.
· الاستفادة من قراءاتك السابقة لاختيار الموضوع الذي يستجيب لحاجتك والمؤلف الذي ترتاح إلى كتابته.ز
· الابتعاد عن الكتب التي تحس أنك لا تفهمها، لأن إلزام نفسك بقراءتها يمنك أن ينفرك من القراءة كلية، فإذا كان الموضوع يجذبك فاستعن بكتاب آخر في الموضوع نفسه، أو بمعجم أو دائرة معارف تعينك عليه.
· الاهتمام بالتغذية وصحة البدن، وتجنب كل ما يؤدي إلى إرهاق الحواس، وإتعاب الذهن، فالعقل السليم في الجسم السليم.
· اختيار المكان المناسب للقراءة، في المكان الذي تستريح فيه ويساعدك على التركيز والتمعن.
· الاستعانة بفهارس الكتاب من اجل الإحاطة الشاملة بمضامينه، فقد تطور فن الفهرسة في السنوات الأخيرة، بهدف تيسير إيصال القارئ إلى هدفه بأسرع وقت وأقل جهد. ففهرس المحتويات يضع بين يديك خريطة الكتاب واضحة مفصلة.
هذه بعض القواعد لتيسير القراءة، وتنمية الاستفادة منها والمهم الإقبال على عالمها الفسيح بكل رحابه.
تبريرات واهية:
كثير من العازفين عن القراءة، الذين لا يعيرونها أي اهتمام، يتعللون بعدم إيجادهم الوقت الكافي لها.
إن كل واحد لو تأمل في ساعات يومه، لوجد أوقاتاً كثيرة تضيع منه، دون أن يستغلها في شيء نافع..
كم من الأوقات تمضي في الانتظار؟ انتظار في عيادة طبيب، أو انتظار مكالمة هاتفية، أو انتظار قطار تأخر عن موعد وصوله، أو طائرة تأخر موعد إقلاعها، أو انتظار لموعد، أو انتظار مقابلة مسؤول ما .. واللائحة تطول، ونستطيع من خلال القراءة أن نتغلب على ملل الانتظار ؟!
وكم من الأوقات نقضيها مع أصدقائنا في السمر؟
وبالمقاييس الحسابية، لو عود كل إنسان نفسه أن يقرأ عشر دقائق كل يوم، لأمكن أن يقرأ كتابا صغيرا كل أسبوع، أو كتابا كبيرا كل شهر، أي حوالي عشرين كتابا من أحجام مختلفة كل عام، فهل يتعذر على أحد منا أن يخصص هذه الدقائق العشرر من وقته كل يوم للقراءة؟!
وبعد، فإن من أبرز خصائص العصر الذي نعيشه، تراكم المعلومات وتكاثر المعارف ، إلى درجة أصبح معها الذي لا يتقن لغة واحدة في عداد الأميين، ولا أحد يدري إلى أين سيصل بنا القرطاس والقلم، لذا لا نملك سوى أن نُقبل على القراءة في الحدود القصوى لما يتيسر لنا، ولنقرأ ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً.