بين واقعية الإنسان ووهم المثالية
بين الإنسان الطبيعي ومدّعي المثالية
ليس الإنسان الطبيعي هو الإنسان الذي لا يخطئ، ولا الذي يعيش حياته وفق صورة مثالية لا تشوبها شائبة، وإنما هو الإنسان الذي يدرك الحقيقة والواقع كما هما، ويعرف قدراته وحدوده، ويعترف بنقاط ضعفه كما يفتخر بنقاط قوته. فالطبيعية في الإنسان لا تعني الكمال، بل تعني الصدق مع النفس، والقدرة على رؤية الحياة بعيدًا عن الأقنعة التي قد تفرضها الرغبة في إرضاء الآخرين أو الظهور بصورة مختلفة عن الحقيقة.
فالإنسان المدرك للحقيقة لا يحتاج إلى أن يثبت للناس في كل موقف أنه أفضل منهم، ولا يحاول أن يصنع لنفسه صورة لا تشبه واقعه. قد ينجح اليوم ويفشل غدًا، قد يكون قويًا في موقف وضعيفًا في موقف آخر، وقد يتخذ قرارًا صحيحًا ثم يكتشف لاحقًا أنه أخطأ. لكنه في جميع هذه الحالات يبقى قريبًا من حقيقته؛ لأنه لا يخشى الاعتراف بما هو عليه.
أما مدّعي المثالية، فمشكلته ليست في أنه يحلم بحياة أفضل، فالحلم والطموح أمران جميلان، وإنما المشكلة عندما تتحول المثالية إلى قناع دائم يخفي خلفه الإنسان واقعه الحقيقي. عندها يصبح قادرًا على ارتداء أي قناع يناسب الظروف، فيظهر بصورة مختلفة مع كل موقف، ويقول ما يتناسب مع المكان والأشخاص، حتى يصبح من الصعب معرفة شخصيته الحقيقية.
وقد يبدو هذا الإنسان في البداية مثاليًا، هادئًا، متزنًا، صاحب مبادئ لا تتغير، لكنه مع مرور الوقت قد تكشف المواقف أن بعض تلك المبادئ كانت مرتبطة بالظرف أكثر من ارتباطها بالقناعة. فالشخصية الحقيقية لا تظهر عندما تسير الأمور وفق ما نريد، وإنما تظهر عندما نواجه ما لا نريد، وعندما نختلف مع الآخرين، وعندما نخسر، وعندما تتعارض مصالحنا مع مبادئنا.
ولهذا فإن الواقع هو الاختبار الحقيقي للشخصية.
هناك من يتحدث كثيرًا عن الصدق، لكنه لا يحتمل سماع الحقيقة عندما تكون ضده. وهناك من يتحدث عن التسامح، لكنه لا يستطيع تجاوز خطأ ارتكبه شخص بحقه. وهناك من يرفع شعار عدم الحكم على الآخرين، لكنه أول من يصدر الأحكام عندما تختلف معه. هنا تظهر الفجوة بين الصورة التي يريد الإنسان أن يراها الناس، وبين الإنسان الذي هو عليه بالفعل.
ولا يعني ذلك أن كل شخص يحاول تطوير نفسه أو الارتقاء بأخلاقه هو شخص منافق أو مدّعٍ للمثالية. الإنسان بطبيعته يتغير ويتعلم، ومن الطبيعي أن يسعى لأن يصبح أفضل. لكن الفرق يكمن في أن الإنسان الصادق مع نفسه يقول: «أنا أحاول أن أكون أفضل»، بينما مدّعي المثالية يتصرف وكأنه وصل بالفعل إلى الكمال.
الشخصية الحالمة قد تعيش طويلًا في الصورة التي تتمنى أن تكون عليها. تصنع لنفسها عالمًا من التوقعات، وتريد من الآخرين أن يتعاملوا معها وفق تلك الصورة، بينما الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا. وكلما اتسعت المسافة بين الحقيقة والصورة المتخيلة، زادت الحاجة إلى الأقنعة.
أما الإنسان الطبيعي، فلا يخشى أن يقول: أخطأت، لم أعرف، لم أستطع، كنت ضعيفًا، أو حتى «غيّرت رأيي». فهو يدرك أن الاعتراف بالنقص لا يقلل من قيمة الإنسان، بل يجعله أكثر صدقًا ونضجًا.
في النهاية، ليست العظمة أن تظهر أمام الناس بصورة لا تتغير، وإنما أن تبقى إنسانًا حقيقيًا مهما تغيرت الظروف. أن تكون قادرًا على مواجهة نفسك قبل أن تطلب من الآخرين أن يفهموك. وأن تعرف أن الحياة ليست مسرحًا دائمًا، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش عمره كله خلف قناع.
فالواقع قد لا يكون جميلًا دائمًا، والحقيقة قد لا تكون مريحة دائمًا، لكن الإنسان الذي يمتلك الشجاعة لرؤيتهما كما هما، يملك فرصة حقيقية لفهم نفسه وتطويرها.
فالإنسان الطبيعي لا يدّعي الكمال؛ لأنه يعرف أن إنسانيته تكمن في نقصه، ونضجه يكمن في إدراكه لذلك.
من كتابات المدرب سعيد بن عيسى العبري الكاتب والباحث في عالم الخيل والفروسية ، المدرب والمستشار في شؤون الطفل والأسرة .
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق