صناعة الخوف: كيف نقتل أطفالنا بأيدينا باسم التعليم؟
"ارحموا من في الأرض
يرحمكم من في السماء"
عبارة عظيمة، لكننا نسيناها تماماً في رحاب مدارسنا وبيوتنا في زحمة السباق المحموم على الدرجات حيث تحولت فصول الدراسة من واحات آمنة للعلم وبناء العقول إلى غرف تعذيب نفسي وبدني،
و تدور رحى معركة خفية، أبطالها أطفالنا، وضحاياها براءتهم وعقولهم ومستقبلهم. لقد تحول "التعليم" إلى آلة ضخمة لطحن الأعصاب، وتفريغ العقول، وزرع الرعب في قلوب من يفترض أنهم بناة المستقبل، نحن لا نربي أجيالاً.. نحن نرتكب مجزرة بطيئة بحق الطفولة.
مناهج تفوق العمر...
وسجون من الواجبات⇓
تخيلوا طفلاً في السادسة من عمره، لم يكد يخرج من عتبة الطفولة، يجد نفسه مكبلاً بطوفان من المناهج الدراسية الصمّاء التي وُضعت لتُثقل كاهله وتسرق ساعات لعبه ونومه. مناهج دراسية، صُممت بعقول أكبر من سنه بسنوات، تطالبه باستيعاب مفاهيم معقدة لا تتناسب مع مداركه، فيدخل في دوامة من الفشل والإحباط والقهر وكأننا نعاقبه لأنه ولد في زمن تحول فيه التعليم إلى تجارة واستعراض عضلي!هل هذا تعليم، أم استعمار للعقل الصغير؟
• الانضباط أم الإرهاب التربوي؟
والأدهى من ذلك، هو العنف، اللفظي والجسدي، الذي يمارسه بعض المعلمين تحت ستار "الانضباط". ترهيب، صراخ، ضرب، وإهانات تترك ندوباً غائرة في نفوس الأطفال، محطمة ثقتهم بأنفسهم ومحوّلة المدرسة إلى كابوس لا يطاق. هل نعتقد أن الخوف يُنشئ جيلاً قوياً؟ بل هو يُنشئ جيلاً مهزوزاً، خائفاً، ومنكسراً.
• ولم يعد الأمر مقتصراً على تحطيم الثقة وتفريغ العقول من الإبداع بالحفظ والتلقين، بل وصل الكابوس إلى نهايته المفجعة: الموت قهراً وخوفاً!
• ألم تروا وتسمعوا بما يدمي القلوب؟ أطفال أبرياء، في سن الزهور، يسقطون مغشياً عليهم ويفارقون الحياة داخل أسوار المدارس بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية وتوقف مفاجئ للقلب نتج عن صدمة الخوف والرهبة الشديدة، أو تحت وطأة صفعات وتعنيف معلم جردته القسوة من الإنسانية. أطفال يُقتلون بالذعر والهلع لأننا تركنا زمام المدارس لمن لا يرحم ولا يدرك معنى الأمانة النفسية للطفل.
•الترهيب يصنع أشباحاً لا رجالاً
هل يعتقد هؤلاء الجلادون تحت رداء "المعلم" أن الترهيب والضرب والإهانة تخلق طالباً منضبطاً؟ العكس تماماً! الإرهاب المدرسي و الأسري حتى لا يُخرج سوى أجيال مهزوزة، مرعوبة، منكسرة النفس، تخاف حتى من مواجهة الحياة وتجربة العيش بحرية وثقة.
←طفل يُقمع كل يوم ويُقيد خوفاً من درجات منخفضة أو عقاب بدني، كيف له أن يقف في وجه رياح الدنيا مستقبلاً؟ إنه يخرج للمجتمع محطماً، خائفاً، ومهيأً للانكسار عند أول هزّة, و من هنا يخرج لنا أشباه رجال و أشباه اناث لا يراعوا أنفسهم و لا أسرهم و الأساس منذ النشئه سواء في بيوتهم أو في مدارسهم أو الأماكن التي تعرضوا فيها لما لا يجب اطلاقا التعرض له …

رسالة إلى كل ضمير حي: ارحموا أطفالكم!
يا أولياء الأمور، ويا أيها القائمون على منظومة التعليم، آن الأوان أن نفتح أعيننا على هذه الكارثة. لقد حان الوقت لنعيد النظر في كل شيء: في المناهج، في طرق التدريس، في أساليب التربية.
1. ضعوا الأكفاء في التعامل مع الأطفال: التربية والتعليم ليست وظيفة لمن هب ودب. إنها رسالةٌ ساميةٌ، ومسؤوليةٌ جسيمةٌ، تحتاج إلى معلمين ومربين يمتلكون الكفاءة، والصبر، والحب، والقدرة على فهم نفسية الطفل.
2. ابعدوا الترهيب والتخويف: المدرسة يجب أن تكون واحة للأمان، ومكاناً للاكتشاف والإبداع، لا سجناً للرعب والقيود. ابنوا شخصية الطفل على الثقة، والاحترام، والحوار، لا على الخوف والقمع.
3. حرروا عقولهم من الحفظ والتلقين: التعليم الحقيقي هو تنمية القدرة على التفكير النقدي، والتحليل، والإبداع، وحل المشكلات، وليس مجرد حفظ وتسميع معلومات صماء.
الخيار بأيدينا: جيل قوي أم جيل منكسر؟
إننا أمام مفترق طرق خطير. إما أن نواصل السير في هذا الطريق المظلم الذي يقودنا إلى تدمير عقول وأرواح أطفالنا، وبالتالي تدمير مستقبل مجتمعنا، وإما أن ننتفض من أجلهم، ونبني لهم بيئة تعليمية وتربوية سليمة تُخرج جيلاً قوياً، واثقاً بنفسه، قادراً على مواجهة تحديات الحياة بقوة وإصرار، لا جيلاً ضعيفاً خائفاً من أن يعيش حياته نفسها.
ارحموا أطفالكم، فهم أمانةٌ في أعناقنا، ومستقبلٌ بين أيدينا…
للمزيد ⇐www.facebook.com/HanaaMoussaJadallah
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق