أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
نصائح وثقافة

حكاية خيوط الكلام

"حين يلتقي الغموض بالرمزية في حكاية 'ملك المناسج'، ينسج الكاتب بأسلوب فريد خيوطاً من الكلام والتأمل الفلسفي لتلهم القارئ وتأخذه في رحلة بصرية وأدبية ساحرة."

WASIM ALMASRIWASIM ALMASRIالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
حكاية خيوط الكلام

image about حكاية خيوط الكلام(بداية القصة):

كان الأطفال يلعبون في الحارة، عندما وصل رجل غريب الهيئة وأوقفهم عن اللعب، قائلاً:

مرحباً يا صغار.. أليست هذه لعبة النول والمغزل؟

فصاحوا بمرح: نعم ياعم.. هل تعرفها؟ ثم ضحكوا مثل أجراس صغيرة حركتها الريح، قبل أن يتابعوا متسائلين:

لكن.. من أنت ياعم؟ من أين جئت؟ نحن لم نرك في هذا المكان قبل اليوم.. ثم، ما هذه الثياب الغريبة التي ترتديها؟

ضحك الرجل بقوة، قبل أن يجيبهم:

يدعوني الناس أبا الهول، ولكني أفضل لقبي الذي منحني إياه الأطفال: ملك المناسج والأنوال، وثيابي هذه من غزل يدي ونسيج نولي.

صمت الرجل قليلاً، وهو ينظر إلى عيون الأطفال المدهوشة، ثم ابتسم، وتابع قائلاً:

أما عملي الحالي، فهو استعمال هذا المغزل الخشبي الصغير الذي ترونه على كتفي، ولكن من خيوط صنعتها الكلمات والطبيعة معاً. كلمات تغزلها ألسنة البارعين واللطفاء والظرفاء، لتباشرها الريح وتصنع منها خيوطاً متينة تمتنع عن الاهتراء والبلى، لتنسج منها أنوال الطيبين البارعين – ونولي الصغير هذا واحد منها – أثواباً تبهج النظر، تدفئ من يرتديها شتاءً، وتبرد جسده في زمن الحر.

نظر الأطفال بوداعة واندهاش إلى أبي الهول، ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة، فابتسم لهم، وهو يدير نظره بينهم وبين الطريق، وهتف بمرح:

هيا يا أطفال، سأذهب الآن، وداعاً، وربما أراكم في طريق عودتي لكي أعلّمكم صنعتي وأتعلّم لعبتكم.

ثم لوّح لهم بيده، ومضى في طريقه. ركض الأطفال خلفه، وصاحوا فيه:

ياعم.. عمّنا أبا الهول.

توقف العمّ أبو الهول، منتظراً، فصاح أحد الأطفال:

لا بدّ أن عمرك لم يعد مناسباً لتعلّم لعبتنا، أما صنعتك، فإنها من أغرب ما سمعنا في حياتنا، ونحب أن نتعلّمها منك.

نظر أبو الهول إليهم بشيء من الحزن، ثم خفض رأسه نحو الأرض قليلاً، وفكّر لحظة، قبل أن يرفع وجهه وينظر إليهم ثم إلى السماء، ويعاود ابتسامة سرعان ما تحولت إلى ضحك، أنزل بعده نوله ومغزله، وطلب منهم أن يلعبوا لعبتهم ويغنوا أغنيتها على مسمع منه ومن نوله ومغزله. في هذه اللحظة اشتعل الأطفال فرحاً، وانتظموا في صفّين متقابلين، وراحوا يغنون وهم يقومون بحركات اللعبة:

هذا مغزل هذا نول

فردد أبو الهول وهو يضحك ويشير إلى نفسه:

هذا عمّي أبو الهول

وغنى الأطفال:

خيطٌ راح خيطٌ جا

وردد أبو الهول:

خيطٌ في موج اللّجّة

ولم يلبث أن عاود الجميع الغناء معاً:

هذا مغزل هذا نول

هذا عمّي أبو الهول

خيطٌ راح خيطٌ جا

خيطٌ في موج اللّجّة

ضحك ملك الأنوال والمناسج، ورفع أصغر الأطفال عالياً وهو يدور ويتحرك يميناً وشمالاً وكأنه مغزل حقيقي، ثم أنزل الطفل، وأشار إلى نوله الخشبي الصغير وهتف وهو ينظر إلى فقراء الدنيا:

انظروا إليّ، وأنا أصنع من خيوط هذا الكلام الجميل، ثوباً سأقدمه للريح لترتديه، فيتدفأ به لابسه شتاءً، ويتبّرد به في الصيف، ويستر جسده عندما يسير تحت المطر، ويتهادى به أنيقاً أمام زهور الربيع وألوانه وصداح طيوره وعصافيره ورفرفة فراشاته.

تابع جديد WASIM ALMASRI

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق