In this article
خمس نصائح
كان ياماكان، وهذه المرة، في مستقبل الزمان، ملك خسر
عاصمته وانهزم جيشه في حربه مع أعداء البلاد. فعاد إلى قريته،
ليستشير حكيم العشيرة في أفضل الطرق لإعادة بناء جيش قادر على
طرد المحتلين وهزيمتهم.
واساه حكيم العشيرة، وأخبره أن الأمر ليس مستحيلا ً، ولكنه
كذلك، ليس بهذه السهولة، وأن الانتصار على الأعداء، و
يقتصر على الاستجابة لخمسة شروط، وتنفيذها بكل أمانة وثقة.
فرح الملك بكلام الحكيم، وسأله أن يقرأ على مسامعه تلك
الشروط الخمسة، ووعده بتحقيق النصر، بعد ذلك.
فقال الحكيم:
• أولاها ألا تمد يدك إلى طعامك، حتى تتأكد من شبع جنودك
وشعبك، قبل ضباطك ووزرائك.
فكر الملك قليلا ً في هذا الشرط، ثم ابتسم راضيا ً قبل أن يسأل
حكيمه المتابعة
فقال الحكيم:
• ثاني هذه الشروط، أن تمتنع عن النوم على فراش ناعم وثير،
مادمت تشك بوجود مظلوم، أو مدعى ظلامة، حتى ينكشف
الحق من الباطل.
وهنا أوما الملك مبتسما ًموافقا ًثم سأل حكيمه
• وثالثة الشروط أيها الحكيم؟
رد الحكيم
• أما ثالثتها، فهي أن تحرص على عدم الاستماع إلى شاك، أو مخبر
سوء، حتى تتحقق من أن المشكو والمخبر عنه، كل منهما واقف
يستمع، وأن الشاكي لا يرهبك بأكثر مما يفعل المشكو.
اطرق الملك مفكرا ً، فتابع الحكيم
• الرابعة، هي ألا توقع مرسوما ًبالموت على محكوم، حتى تتأكد من
العدالة المطلقة للحكم.
• هذه بسيطة. والخامسة؟
• الخامسة، ألا تصغي إلى مادح، وإن كان مداحه غير مغرض،
وأن تكافئ كل ناقد نزيه، وأن تبوأه مركزا ً يستطيع الاسهام من
خلاله في إصلاح خلل الأمة
سكت الحكيم لحظاتٍ ليدع وقع كلماته يستقر في نفس الملك، ثم أردف قائلاً: "يا مولاي، إن التيجان لا تثبتها السيوف وحدها، بل العدل الذي يراه الناس في خبزهم اليومي وأمان ليلهم. هذه الخمس ليست مجرد نصائح، بل هي الدرع الحقيقي الذي يحميك من داخل معسكرك قبل خارجه".
نظر الملك إلى كفيه طويلاً، وشعر كأن غشاوة ثقيلة انزاحت عن بصيرته فجأة. أدرك أن هزيمته السابقة لم تكن لنقص في العتاد أو تراجع في بسالة الفرسان، بل كانت ثغرة في جدار الثقة بين القصر والرعية؛ حين نام الشبعان بجوار الجائع، وحين علت أصوات المتملقين وخفتت صرخات المستغيثين.
تنفس الصعداء، ورفع رأسه بعزم متجدد ثم قال: "عهداً عليّ ألا أخل بشرط منها، وسأجعلها دستوراً لحياتي وجيشي قبل أن أخطو خطوة واحدة نحو العاصمة".
نزل الملك إلى ساحة القرية، وخلع عباءته المذهبة ليشارك الناس حفر الخنادق وزراعة الحقول، ولم يكن يذوق كسرة خبز حتى يرى الصغار والجنود قد شبعوا. ما هي إلا شهور قليلة حتى سرى خبر عدله في أرجاء البلاد كالنار في الهشيم، فتقاطر عليه المتطوعون من كل حدب وصوب، لا طمعاً في مال، بل دفاعاً عن ملك استحق أن يُفتدى بالأرواح. وحين دنت ساعة اللقاء، كان الجيش يمضي بعقيدة صلبة، فاستعادوا عاصمتهم وطردوا الغزاة دون رجعة، ليعلم التاريخ أن العدالة هي أقوى الجيوش وأمضاها سلاحاً.
Keep up with WASIM ALMASRI
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment