أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشريناكتب · انشر · نمُ
نصائح وثقافة

قمر وعاشقان وضفدع

في وادي تتقاطع فيه ظلال العتمة وضياء القمر، ينسج العاشقان لحبّهما لحناً من النور والأجراس، بينما يقف ضفدعٌ عجوز على ضفة المستنقع ليحارب الصدى بالنقيق. قصة رمزية رقيقة عن صراع الغيرة مع صفاء القلوب، وعن اللحظة التي يتحول فيها الصوت المهزوم إلى ترنيمة جديدة للحي

WASIM ALMASRIWASIM ALMASRIالكاتب 4 د للقراءة 0.00 المراجعات
قمر وعاشقان وضفدع

 

image about قمر وعاشقان وضفدع

 

قمر وعاشقان وضفدع

 

 

قرأ العاشقان الرسالة على صدر القمر، فارتجف قلباهما كما ترتجف ورقةٌ في أول الخريف، ثم نهضا من بين الأعشاب وقد ذهب عنهما الخجل، وارتدى كلُّ منهما يدَ صاحبه كما يُرتدَى الدفء.

 

 

 

وكان في طرف الوادي مستنقعٌ صغير، وفي المستنقع ضفدعٌ عجوز لا يعجبه شيءٌ إلا صوتُه. سمع ضحكة العاشقين تتدحرج على العشب، فانتفخ حلقُه غيظاً وقال: «ما هذا الضياء الوقح؟ أيُّ حبٍّ يُعلَن على الملأ؟» ثم راح ينقّ، ينقّ، حتى ظنّ أن الوادي كلّه يصغي.

نقّ نقةً قال فيها: عيبٌ ما تفعلان. ونقّ أخرى قال: سيتحدّث الناس عنكما. ونقّ الثالثة حتى بُحّ صوته، فأخذت الجنادبُ تنقل نقيقه من عشبةٍ إلى عشبة، وكلّما انتقل الخبرُ كبر، كما تكبر كرةُ الثلج في المنحدر.

التفت العاشق إلى حبيبته وقال: أتسمعين؟ ابتسمت وقالت: أسمع، لكنني أسمع شيئاً آخر أبعد. وأشارت إلى الجنوب حيث يتنفّس المحيط.

مشيا إلى الشاطئ حيث تنحني شجرة تينٍ عجوز على الرمل، وعلّقا على غصنها جرسَين صغيرين من نحاس، ثم قرعا الأجراس للحب كما أمرهما القمر. فطار الرنين مع الريح فوق التلّين، وهبط في الوادي فوجد النقيق فوق النقيق.

 

 

غضب الضفدع فتمادى في نفخ صدره حتى صار كالقبّة، وقال: «سأعلو على هذا الرنين وعلى المحيط نفسه!» فرفع صوته ما استطاع، وفي لحظة جاءت موجةٌ كبيرة من أعماق البحر، فضربت الصخر ضربةً هزّت الوادي، وابتلعت كلّ نقيق في طريقها. وكان آخر ما سمعته الليلة شهقةً صغيرة انطفأت في الطين.

 

ومع الفجر، كان القمر قد شحب لونه وهمّ بالمغيب، فغمس أصبعه للمرة الأخيرة ببقيّة حبر الثلج، وكتب على الأفق سطراً لم يقرأه أحدٌ من النائمين، وقرأه العاشقان وهما يعبران الوادي مع النور القادم:

من أحبَّ في النور لم يخسر شيئاً، ومن نقَّ في العتمة لم يربح إلا البحّة.

 

 

صباح الضفدع

طلعت الشمس فوق الشاطئ، وطوت الأجراسُ صوتها على غصن التين كأنها تلتقط أنفاسها.

أما الضفدع فخرج من الطين متخفياً، يحمل بحّته كما يحمل المهزومُ سيفاً مكسوراً، فمرّ بالعاشقين وتوقّف خلف قصبة يتظاهر بأنه حجر.

ناداه العاشق: تعالَ أيها الجار، فالصباح يتّسع للجميع.

ارتبك الضفدع، فما اعتاد أن يُجابَ نقيقُه بدعوة.

 

 

 

مدّت له العاشقة ورقة تينٍ مبلّلة بالندى، فشرب منها فعاد إليه صوته أرقَّ مما كان.

قال بخجل: لم أكن أكره الحبّ، كنت أكره أنه يذكّرني بأنني لم أجرّب أن أغنّي لأحد.

ضحك العاشقان وقالا: غنِّ إذن، فالبحر يحبّ من يغنّي له لا من يغالبه.

 

 

 

وفي تلك الليلة كان في الوادي ثلاثة أصوات: ضحكة عاشقين، ورنين جرس، ونقيق ضفدعٍ يتعلّم الغناء.

ومن بعيد أطفأ القمرُ حمرته، وقال لنفسه: ما أجمل أن يخجل المرءُ من فعلته فيُصلح الدنيا.

 

الغراب والغناء

مرّت الأيام، وصار الضفدع يغنّي كلّ مساء على حافة المستنقع، وما زال صوته أخشنَ من أن يُسمّى جميلاً، لكنه صار صادقاً.

فجاءت الجنادبُ التي كانت تنقل نقيقه، تنقل الآن لحنه من عشبةٍ إلى عشبة.

وسمع الوادي كلُّه الأغنية، فخرج الناس من بيوتهم يتساءلون: من أين هذا الدفء؟

وكان بين الناس غرابٌ عجوز اعتاد أن يعدَّ أخطاء الآخرين كما يعدّ البخيلُ نقوده.

حطّ على غصن التين وقال: لا يليق بضفدعٍ أن يغنّي، ولا بعاشقٍ أن يُجاهر!

لم يردّ عليه أحد، فالجرسان يرنّان، والبحر يهدر، والضفدع مشغولٌ بلحنه.

ملّ الغرابُ من كلامٍ لا يجد أذناً، فطار وحده إلى التلّ، وتعلّم أن الصمتَ أيضاً قد يكون عقاباً.

وفي ليلة اكتمال القمر، نزل القمرُ قريباً حتى كاد يلامس صفحة المستنقع.

فرأى ضفدعاً يغنّي، وعاشقين يصغيان، وبحراً يردّد، فابتسم بلا خجل هذه المرّة.

وكتب بحبر الثلج على صفحة الماء: حين يتعلّم الصغيرُ الغناء، يتعلّم الكبيرُ الإصغاء.

الرحلة إلى البحر

في الصباح التالي جاء العاشقان إلى المستنقع يحملان خبزاً وتيناً، فوجدا الضفدع ينتظرهما على ورقة النيلوفر.

قال لهما: حلمت الليلة أن المحيط ناداني باسمي.

ابتسمت العاشقة وقالت: المحيط لا ينادي إلا من أصغى إليه طويلاً.

فقرّر الضفدع أن يمشي معهما إلى الشاطئ، وكان ذلك أبعد ما قطعه في حياته.

تعثّر في الرمل، وتعب، وتوقّف ثلاث مرات، والعاشقُ يحمله على كفّه في الأخيرة.

وعند الماء وقف الضفدعُ صامتاً أمام الزرقة التي لا آخر لها، وشعر أن صوته ذرّةٌ في بحر.

لكن موجةً صغيرة جاءت وغسلت قدميه، كأنها تقول له: وللذرّة مكانها.

فغنّى أول أغنية له بلا خوف ولا غيظ، فاختلط لحنه بهدير الموج حتى لم يعد أحدٌ يميّز أيّهما يردّد الآخر.

وجلس العاشقان على الرمل يستمعان، وقد عرفا أن الحبّ لا يحتاج أن يعلو صوته، بل أن يجد من يشاركه الغناء.

وفي السماء كان القمرُ شاحباً في ضوء الصباح، لكنه كتب آخر أسطره بلا حبر: سلامٌ على كلّ قلبٍ تعلّم أن يُصغي.

 

 

تابع جديد WASIM ALMASRI

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق