أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
نصائح وثقافة

الخروف الذي عاد

في ليلة عيد تختلط فيها السكينة بالرهبة، يعود الخروف المذبوح من خلف الغياب ليقف تحت النافذة بخط خياطةٍ على عنقه وعينين لا تنامان. قصة رعب نفسية قصيرة عن عائلة تحولت مائدتها إلى صمتٍ مشؤوم، وعن قضمةٍ واحدة تكفي لتبدأ رحلة التحول الأبدي بين البيت والزقاق.

WASIM ALMASRIWASIM ALMASRIالكاتب 3 د للقراءة 0.00 المراجعات
الخروف الذي عاد
image about الخروف الذي عاد

 

كان الخروف قد عاش في الدار ثلاثة أشهر، وكان محمد الصغير هو الوحيد الذي يعرف أن عينيه لا تنامان. كان يجلس إلى جانبه في الفناء كلّ مساء، ويهمس له بأسراره، فيصغي الخروف إصغاءَ من يفهم.

في فجر العيد اجتمعت الأسرة في الفناء، وجاء الجزّار بسكينه اللامعة. قال الجميع: «الله أكبر»، ولم يقلها محمد. رأى الخروف ينظر إليه وحده، نظرةً لا عتب فيها ولا خوف، كأنه يقول: لا تبكِ، سأعود.

انفجر الدم على وجهه، فصرخ محتجّاً، فضحك الجزّار ضحكةً طويلة لم تنتهِ تماماً حتى بعد أن صمت. سمعها محمد في أذنيه لا في الفناء، كأنها تأتي من داخل البيت.

أخذ الجزّار يجهّز اللحم، وكان الأبُ يعدّ القطع، وكانت القطعُ دائماً أكثر مما ينبغي بقطعة. قال لأمّه بهدوء: «الكتف الأيسر لم ينقص». ولم تجبه، لأن عينيها كانتا معلّقتين على جلد الخروف المعلّق في الفناء، الذي بدا لها أنه يتنفّس ببطء.

أكلوا عند الزوال كما تأكل الأسرة في العيد، لكن أحداً لم يتحدّث. كانت الملاعقُ ترتطم بالصحون بإيقاعٍ واحد، وكان محمد الوحيد الذي يرفع رأسه في نهاية المائدة، فيجد أن الوجوه كلّها ممدودة نحو الطعام، ولا أحد يرمش. قالت أمّه: «كُل». ولم تكن تنظر إليه.

لم يأكل أبداً، إلا قضمةً واحدة دسّتها جدّته في فمه وهي تبتسم للفراغ. فلمّا حلّ المساء نامت الدار كلّها فجأةً، لا كما تنام الناس، بل كما تنطفئ المصابيح.

وفي منتصف الليل سمع محمد قرعاً لطيفاً على النافذة. نهض ونظر من الزجاج، فرأى الجلد المعلّق في الفناء يتمايل بهدوء مع الريح، ولم تكن ثمة ريح. وكان هناك تحته خروفٌ واقف، لا دم عليه ولا جرح، ولكن على عنقه خطٌّ رفيع كأنه حبل خياطة.

بدا الخروف أكبر مما كان، وكان ينظر إلى محمد بنفس النظرة الهادئة. همس صوتٌ لا يشبه صوت خروف، بل صوت طفل: «لم تأكل، لذلك أنت وحدك من هذا البيت».

ركض محمد إلى غرفة أبيه وهزّه. استدار الأبُ ببطء شديد، وكانت حدقتاه مستطيلتين كحدقتي خروف، وقال بصوت خافت، كأنه يقلد نائماً من غرفة النوم: «نم يا محمد. غداً نأكل ما تبقّى».

وفي الصباح استيقظ فوجد المائدة ممدودة من جديد، والوجوه كلّها تنظر إليه أخيراً. نظر في ملعقة المائدة اللامعة فرأى عينيه، وكانت حدقتاهما تتمددان ببطء، أفقيّاً، كما تمتدّ الليل فوق المراعي.

ومن الفناء جاء مأمأة لطيفة، لا تشبه مأمأة الخراف، بل ضحكة طفلٍ يتمدّد في العشب.

نزل محمد الدرج حافياً، والخشب تحت قدميه يئنّ كأنه يحفظ عدد خطواته.

في الفناء كان الجلد معلّقاً كما تركوه، لكن الجسد الذي تحته اختفى، وبقيت الأرضُ مبلّلةً بآثار حوافرَ صغيرة تقود إلى الباب.

فتح الباب ببطء فرأى الحيّ كلّه ساكناً، والنوافذ مضاءةً، وفي كلّ نافذة مائدةٌ ممدودة ووجوهٌ منحنية فوق الطعام.

لم يرفع أحدٌ رأسه، حتى الكلاب كانت صامتةً تجلس على الأرصفة، وعيونها مستطيلة.

وعند آخر الزقاق وقف الخروف، لا كبيراً ولا صغيراً، يقف كما يقف الصديق الذي ينتظر.

قال بصوت الطفل: «أنا لم آخذهم يا محمد. هم الذين أكلوا ما لم يكن لهم أن يأكلوه».

بكى محمد وقال: «أنا أكلت قضمةً واحدة فقط»، فأومأ الخروف برأسه كمن يعرف.

«وقضمةٌ واحدة تكفي لتبدأ العودة». ثم اقترب ولحس وجهه حيث جفّ الدم، فشعر محمد بدفءٍ غريب.

وحين ابتعد الخروف، سمع محمد من داخل بيته نداء أمّه: «تعال يا محمد، المائدة جاهزة»، وكان الصوت يشبه المأمأة بالضبط.

وقف بين البيت والخروف، ولم يعد يدري أيّهما كان ينتظره منذ البداية، ولا أيَّ العينين في وجهه ما زالت له.

تابع جديد WASIM ALMASRI

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق