أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
نصائح وثقافة

التربية المشتركة والتربية الأحادية..!

التربية المشتركة تبني طفلًا أكثر توازنًا، بتكامل حنان الأم وعاطفتها مع ثقة الأب وتوجيهه وحسن تعامله..

saidsaidالكاتب 4 د للقراءة 5.01 المراجعات
التربية المشتركة والتربية الأحادية..!

التربية المشتركة والتربية الأحادية..!

التربية ليست مجرد إطعام الطفل وتعليمه وتوفير احتياجاته، بل هي عملية طويلة تتشكل من خلالها شخصيته، وطريقة تفكيره، ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين والحياة. ولهذا فإن وجود الأب والأم وتعاونهما في تربية الطفل يمثل جانبًا مهمًا في بناء شخصية متوازنة، لأن لكل منهما حضوره وأسلوبه وتجربته التي يمكن أن يضيفها إلى حياة الطفل.

image about التربية المشتركة والتربية الأحادية..!

ومن هنا يمكن القول إن التربية المشتركة أكثر اتساعًا من التربية الأحادية؛ فالطفل الذي ينشأ في بيئة يشارك فيها الأب والأم في التربية تكون أمامه مساحات أكبر للتعلم والملاحظة واكتساب القيم والسلوكيات المختلفة.

فالأم غالبًا ما تكون الأقرب إلى الجانب العاطفي في حياة الطفل؛ فهي تمنحه الحنان والاحتواء والشعور بالأمان، وتعلمه الصبر والعاطفة والرحمة وتهذيب النفس. ومن خلال تعاملها اليومي معه يتعلم الطفل كيف يعبر عن مشاعره، وكيف يشعر بالآخرين، وكيف يكون لطيفًا ومتسامحًا.

وفي المقابل، يستطيع الأب أن يقدم للطفل جانبًا آخر من جوانب بناء الشخصية؛ فيعلمه حسن التعامل، والثقة بالنفس، وتحمل المسؤولية، ومواجهة المواقف، والتعامل مع الناس والحياة بصورة أكثر اتزانًا. وقد يكون وجود الأب في حياة الطفل فرصة ليتعلم منه كيفية اتخاذ القرار، وكيف يتحمل نتيجة اختياراته، وكيف يتعامل مع التحديات دون أن يفقد ثقته بنفسه.

لكن هذا لا يعني أن الحنان خاص بالأم، أو أن الثقة والمسؤولية خاصة بالأب؛ فالأب يستطيع أن يكون حنونًا ومحتويًا، والأم تستطيع أن تبني في طفلها الثقة وتحمله المسؤولية. المقصود هو أن وجود الأب والأم معًا يوسع دائرة الخبرات التي يعيشها الطفل، ويمنحه نماذج متعددة في التعامل مع الحياة.

أما التربية الأحادية، سواء كان الطفل يعيش مع الأب وحده أو الأم وحدها، فهي لا تعني بالضرورة أن الطفل سيفشل أو يفتقد التربية السليمة. فكثير من الآباء والأمهات يستطيعون تقديم تربية عظيمة لأبنائهم رغم تحمل أحدهم الدور الأكبر بمفرده. ولكن التحدي في التربية الأحادية أن شخصًا واحدًا قد يجد نفسه مطالبًا بتغطية أدوار واحتياجات متعددة في الوقت نفسه، عاطفيًا وتربويًا واجتماعيًا، وهذا قد يكون أكثر صعوبة.

والأهم من وجود الأب والأم تحت سقف واحد هو طريقة تعاونهما في التربية. فقد يعيش الطفل مع والديه، ولكنه لا يجد بينهما اتفاقًا أو انسجامًا، فيصبح أمام رسائل متناقضة؛ أحدهما يطلب منه شيئًا والآخر يمنعه، أحدهما يعلمه قيمة معينة والآخر يتصرف بعكسها. لذلك فالتربية المشتركة لا تعني مجرد وجود الأب والأم، وإنما تعني أن يتعاونا في بناء الطفل، وأن يكون بينهما قدر من التفاهم والاتفاق على القيم الأساسية التي يريدان غرسها فيه.

فالطفل يحتاج إلى الحب، لكنه يحتاج أيضًا إلى التوجيه. يحتاج إلى الحنان، لكنه يحتاج كذلك إلى الحدود. يحتاج إلى من يسمعه ويفهم مشاعره، ويحتاج في الوقت نفسه إلى من يعلمه تحمل المسؤولية والثقة بالنفس وحسن التعامل مع الآخرين.

ولهذا فإن الأسرة المتوازنة ليست التي يجعل فيها الأب كل شيء، ولا التي تحمل الأم كل شيء، وإنما الأسرة التي يتكامل فيها الأب والأم بدل أن يتنافسا على دور التربية.

فالطفل في النهاية لا يتعلم من الكلام وحده، بل يتعلم من العلاقة بين والديه، ومن طريقة تعاملهما معه ومع بعضهما ومع الآخرين. وكلما رأى أمامه نموذجًا متوازنًا يجمع بين الرحمة والحزم، وبين الحنان والثقة، وبين العاطفة والمسؤولية، كانت لديه فرصة أكبر لأن ينمو بشخصية أكثر توازنًا.

إن التربية المشتركة ليست مجرد تقسيم للمهام بين الأب والأم، بل هي شراكة في صناعة الإنسان؛ فكل كلمة، وكل موقف، وكل تصرف يترك أثرًا في الطفل، وقد يبقى معه سنوات طويلة. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه الأب والأم لأبنائهما هو أن يتعاونا على تربيتهم، وأن يجعل كل واحد منهما وجوده إضافة إلى الآخر، لا بديلًا عنه.

من كتابات المدرب سَعيد بن عيسى العبري الكاتب والباحث في عالم الخيل والفروسية والمدرب والمستشار في شؤون الطفل والأسرة 


 

تابع جديد said

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق