
ابن سينا: شخصيته ونوادره وآثاره
ابن سينا: شخصيته ونوادره وآثاره
ليس من باب الغلو القول بأن شخصية ابن سينا تعتبر نموذجاً للشخصية الأكثر كمالا وتوازناً وقدرة على التكيف تبعا للأحوال والأجواء والأطر المحيطة بها والمهام الموكولة إليها:
لقد نهض ابن سينا في حياته بأغراض متباينة، يصعب إلا على الكبار أمثاله التوفيق بينها:
1- فقد كان رجل سياسة، لا تنقصه التجربة والحنكة ولاالدهاء السياسي، فنجح في حمل تبعات الوزارة، ولم يفشل، واستطاع رغم تألب الأعداء والحساد عليه أن يستعيد مكانته مرة بعد مرة، وأن يثبت جدارته كرجل دولة.
2- كذلك كان ابن سيينا رجلا واقعياً لا يتنكر للطبيعة البشرية، فأراد أن يأخذ من الحياة حق بدنه عليه ونصيب جوارحه من لذائذ الدنيا فكان ينغمس في مجالس اللهو انغماسه في أعمال السياسة، فاستمتع بالمرأة والخمر وأخذ قسطاً مرموقاً من الدعة والرفاه، وكان هذا اللون من العيش في مائدة وجوده الحافلة سبب تحفظ نفر من أهل الورع، فأنكروا عليه هذا النمط من السيرة، وربما تجاوزوا حد الاعتدال فرموه بالفكر والزندقة.
3- أما الوجه الثالث لهذه الشخصية المثيرة، فهو الوجه الأكثر تألقاً والذي كان قادرا على البقاء والخلود. إنه وجه العالم الذي وهبته الطبيعة صفات العلم الأساسية ومن أبرزها قوة العقل والذكاء البالغ وحب الاستطلاع والاهتمام بالجانب العملي والتجريبي في الأمور العلمية.
وفيما يلي لمع من هذه الشخصية العلمية البارزة:
أ-لقد تبوأ ابن سينا مكانا مرموقا في العلم، ولا سيما في علم الطب وعلم النفس. وقد أضاف الكثيير إلى هذه العلوم مما استحدث عنده. وقد كتب ابن سينا في الطبيعيات والهندسة والرياضيات والكيمياء وغيرها. وفي عاصمة خوارزم " جرجان" تعرف ابن سينا بأبي الحسن السهلي أحد وزراء السلطان، وقد عرف السهلي بحبه للعلوم وأهلها، مما جعله يتصل بابن سينا وينزله دارا تليق به، وخصص له راتبا مجزيا. في هذه الأثناء أملى ابن سينا على تلميييذه أبي عبيد الجوزجاني " كتاب المختصر الأوسط من المنطق".
ب-وكان لاستقراره النفسي وسعة اطلاعه وعلمه دور في تصنيف العديد من الكتب مثل " المبدأ والمعاد" وكتاب " الأرصاد الفلكية " ، و" أول القانون".
وكان الشيخ الرئيس صاحب مجلس علم منتظم في داره، يبدأ مع نهاية صلاة العشاء ويستمر ساعات من الليل أحياناً، كان يحث تلميذه أبا عبيد على القراءة لزملائه من كتاب" الشفاء" ، وكان بعضهم يقرأ لزملائه من كتاب" القانون" وهناك من يقرأ من" الإشارات" ومن "الحاصل والمحصول".
وبعد الفراغ من القراءة والدرس، والتحليل والبحث، كان ابن سينا يأمر بحضور المغنين.
ج-وفي وسط هذا الاستقرار اضطربت الأمور السياسية وذهب سلطان وجاء آخر فأقام ابن سينا في دار صديق له يدعى ابن غالب العطار متوارياً عن العيون، وطلب إليه تلمييذه أبو عبيد الجوزجاني أن يعمل على إتمام كتاب" الشفاء"، فصنف ابن سينا في دار العطار جميع الطبيعيات والإلهيات في الشفاء.
ومن بيت العطار كتب جزءاً من كتب المنطق، ولم يكن لديه مراجع يرجع إليها، فدون رؤوس المسائل من ذاكرته الحافظة – ثم تولى رؤوس المسائل هذه، فراح يينظر في كل مسألة ويكتب شرحها فكان يكتب في كل يوم خمسين ورقة حتى أتى على جميع ا لإلهيات والطبيعيات، ما خلا كتاب الحيوان والنبات...
وابتدأ بالمنطق وكتب جزءا منه، ولم يتوقف عقل ابن سينا عن العطاء أثناء سجنه في قلعة" فردجان"، وقد أنجز خلال الشهور الأربعة التي سجن فيها كتابين هما: كتاب الهداية، وكتاب حي بن يقظان..
د-واشتغل الشيخ الرئيس بعلم الأرصاد ثماني سنوات، وقد شاركه في ذلك تلمييذه الفقيه أبو عبيده -الجوزجاني- وحاول في دراسته هذه، الوقوف على ما كتب بطليموس- وتمكن من كتابة مؤلفه " الإنصاف في الإرصاد" في وقت قياسي.
هـ - أبرز مؤلفاته:
تعددت مؤلفات ابن سينا، التي ذكرتها المراجع، على لسان أبي عبيد الجوزجاني فشملت أبوابا من العلم كثيرة وحقولا من المعرفة جمة، ونحن نعرف بأبرزها كمايلي:
- كتاب " المجموع" في مجلدة واحدة، ويعرف بالحكمة العروضية صنفه لأبي الحسن العروضي، وله من العمر إحدى وعشرون سنة..
*" ا لحاصل والمحصول" وهو عشرون مجلدة.
* البر والإثم" وهو كتاب في الأخلاق، (مجلدتان)، صنفه للفقيه أبي بكر البرقي.
*" الشفاء"، جمع فيه جميع العلوم الأربعة، وصنف طبيعياته وإلهياته في عشرين يوماً بهمدان ويقع في ثماني عشرة مجلدة.
*" القانون في الطب"، وهو في أربع عشرة مجلدة، صنف بعضه بجرجان وبالري، وتممه بهمدان.
*"الأرصاد الكلية"، مجلدة واحدة، صنفه للشيرازيي بجرجان.
*" كتاب النجاة" ، وهو ثلاثة مجلدات، صنفه في طريق سابور وهو في خدمة علاء الدولة.
*" الهداية" في الحكمة، وهو مجلدة واحدة.
*" لسان العرب في اللغة، ويقع في يعشر مجلدات، لم ينقله إلى البياض، وهو غريب الصنف، ولم توجد له نسخة ولا مثله.
*" الأدوية القلبية"، في مجلدة واحدة.
*" الموجز" ، وهوفي مجلدة واحدة.
*" بعض الحكمة الشرقية، وهو في مجلدة واحدة.
*" بيان ذوات الجهة" ، وهو في مجلدة واحدة.
*" كتاب المعاد"، وهو في مجلدة واحدة.
*" كتاب المبدأ والمعاد" في النفس، (مجلدة) صنفه بجرجان للشيرازي.
**" كتاب المباحثات" ، وهو في مجلدة واحدة.

ومن رسائل التي ذكرها الجوزجاني أيضا، وأثبتها ابن أصيبعة في مؤلفه " عيون الأنباء" ما يلي:
· القضاء والقدر.
· الآله الرصدية.
· غرض قاطيغورياس.
· المنطق بالشعر.
· القصائد في العظمة.
· الحكمة في الحروف.
· تعقب المواضيع الجدلية.
· مختصر إقليدس.
· مختصر من النبض بالعجمية.
· الحدود.
· الأجرام السماوية.
· الإشارة إلى علم المنطق.
· أقسام الحكمة في النهاية واللانهاية.
· عهد كتبه لنفسه.
· حي بن يقظان وهو رمز عن العقل الفعال، من أن أبعاد الجسم غير ذاتية له.
· خطب.
· الكلام في الهندبا.
ومنها أيضاً في أن علم زيد غير علم عمرو، ورسائل له إخوانية وسلطانية، ومسائل جرت بينه وبين بعض الفضلاء، بالإضافة إلى كتاب عيون الحكمة، وكتاب الشبكة والطير، وكتاب الحواشي على القانون ورسالة في أنه لا يجوز أن يكون شيء واحد جوهرياً وعرضياً.
وقد ذكر الرواة أن ابن سينا قد كتب أكثر كتبه باللغة العربية وقد ترجمت أكثر هذه الكتب إلى اللغات الأخرى، فترجم كتاب القانون إلى اللغة الألمانية، وأجريت عليه بحوث وأطروحات كبيرة لنيل شهادة الدكتوراه وهي أكثر الدرجات العلمية مكانةً.
وبعد كتاب القانون في الطب من أهم مؤلفات ابن سينا، بما حواه من مادة علمية. ويعد كتاب" الشفاء" دائرة معارف قائمة بنفسها إذ احتوى الكثير من العلوم، وهو يحتل المرتبة الثانية في آثار ابن سينا من حيث الأهمية، لاحتوائه رسائل مختلفة في الرياضيات، والطبيعة، والمنطق، وما وراء الطبيعة. وقد ترجم الكتب ترجمات عديد في روما عام 1926م بعضها إلى الألمانية وبعضها إلى اللاتينية.
وقد تحدثت الموسوعة البريطانية عن تأثير الفارابي كعالم منطق في ابن سينا وقد وضح هذا التأثير في رسائل ابن سينا في المنطق.
ومن الغريب أن بعض المصادر تذكر أن ابن سينا سجل تقدما في علم الموسيقى، وهذا العلم يتصل بفنون العرب، وقد طبع كتاب القانون لابن سينا في مصر سنة 1877م، ولا شك أن إصدار كتاب نفيس لعالم مسلم مثل ابن سينا في العالمين الإسلامي والعربي من الأمور التي تثلج صدور المثقفين وأصحاب الفكر والأدب.
و-آثار أخرى لابن سينا:
يقول ابن أبي أصيبعة:" وللشيخ الرئيسي من الكتب والمقالات والرسائل، غير ما هو مثبت فيما تقدم من كلام أبي عبيدة الجوزجاني" ، آثار أخرى، نثبت منها ما يلي:
- كتاب" اللواحق"، يذكر أنه شرح الشفاء.
- كتاب" الأنصاف" (عشرون مجلدة) ، شرح فيه جميع كتب أرسطو طاليس، وأنصف فيه ما بين المشرقيين والمغربيين. ويقال إنه ضاع في نهب السلطان مسعود.
- - كتاب" الأوسط الجرجاني" في المنطق صنفه بجرجان للشيخ أبي أحمد محمد إبراهيم الفارسيي.
- - كتاب" المعاد" (ويبدو أنه غير المبدأ والمعاد) بدليل أنه صنفه بالري للملك مجد الدولة.
- - كتاب" دانش مايه العلاني" بالفارسية، صنفه لعلاء الدين بن كاكويه بأصفهان.
- - كتاب" الإشارات والتنبيهات" ، ويعتبر آخر ما صنف في الحكمة وأجوده.
- - كتاب" القولنج"، من كتبه الطبية صنفه أثناء سجنه بالقلعة.
- - رسالة إلى أبي سهل المسيحي في الزاوكية صنفها بجرجان.
- - مقالة في القوى الطبيعية كتبها إلى أبي سعيد اليمامي.
- - مقالة في مخارج الحروف صنفها للجبائي في أصفهان.
- - كتاب الموجز الكبير في المنطق.
- - كتاب الموجز الصغير في المنطق.
- - مقالة في القضاء والقدر، وأخرى في تقاسيم الحكمة والعلوم.
- - رسالة في السكنجبين.
- - مقالة في النفس تعرف بالفصول.
- - مقالة في إحكام النجوم.
وهناك أيضا : فصول إلهية في إثبات الأول، وكتاب الملح في النحو، وفصول في النفس والطبيعيات، وكتاب قيام الأرض في وسط السماء، ألفه لأحمد بن محمد السهلي وكتاب تأويل الرؤيا، ورسالة في العشق ألفها لأبي عبيدالله الفقيه، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لتعداده وذكره.