بقاء النوع وفناء الحضارات: الإنسان بين تسارع الزمن والتدبير الإلهي

بقاء النوع وفناء الحضارات: الإنسان بين تسارع الزمن والتدبير الإلهي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

بقاء النوع وفناء الحضارات: الإنسان بين تسارع الزمن والتدبير الإلهي

image about بقاء النوع وفناء الحضارات: الإنسان بين تسارع الزمن والتدبير الإلهي

 المقدمة

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها كوكبنا، يقف الإنسان اليوم متأملاً في مسيرته الطويلة التي امتدت لآلاف السنين. فمنذ اللحظات الأولى لظهور "الإنسان العاقل"، بدأت عجلة الحضارة في الدوران، منتقلة من البساطة البدائية إلى التعقيد التقني المذهل الذي نعيشه الآن. ومع هذا التسارع المحموم، تصاعدت التساؤلات الوجودية حول مصير البشرية في ظل أخطار داهمة تلوح في الأفق. فهل نحن نمضي نحو حافة الفناء، أم أن هناك يداً خفية وتدبيراً إلهياً يضمن استمرار هذا الكائن الفريد؟ تستعرض هذه المقالة فلسفة البقاء البشري في مواجهة زوال الحضارات، مستندة إلى اليقين بالخطة الإلهية المحكمة.

منذ بزوغ فجر الإنسان العاقل على وجه البسيطة قبل آلاف السنين، انطلقت رحلة الحضارة الإنسانية في مسار تصاعدي بدأ بخطوات وئيدة، ثم ما لبث أن استحال إلى وثبات عملاقة تتسارع وتيرتها مع مرور الزمن. نحن نعيش اليوم في ذروة هذا التسارع التقني والمعرفي، وهي مرحلة بلغت من التعقيد حداً جعل من هذا "التسارع" نفسه مصدراً للقلق والوجل، بل وصار يُنظر إليه في الأوساط العلمية والفلسفية كخطر وجودي يهدد استقرار البشرية. غير أن القراءة العميقة لجوهر الوجود تكشف لنا حقيقة كبرى؛ وهي أن الخطر مهما بلغت شدته وتفاقمت آثاره، لن يملك القدرة على محو الجنس البشري أو الانتصار عليه نهائياً، وذلك لسبب يتجاوز القوانين المادية الصرفة.

إن استمرار الإنسان يكمن في كونه مخلوقاً لغاية أسمى وحكمة إلهية عليا، وهي الغاية التي وهبه الخالق بموجبها القدرة الفائقة على تسخير مكونات وجوده الأرضي، وتطويع الطبيعة لخدمة مصالحه واستمرار بقائه. هذه القدرة على التكيف والسيطرة ليست وليدة الصدفة، بل هي سنة كونية ثابتة، وقانون إلهي لن يتبدل أو يتغير إلى أن تقوم الساعة. إن هذه الميزة الجوهرية التي أودعها الله في الإنسان تمثل صمام الأمان الذي يحميه من الفناء الكلي أمام التحديات التي تصنعها يده أو تفرضها الطبيعة عليه.

وهنا يبرز فارق جوهري بين "الحضارة" و"الإنسان"؛ فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات بمبانيها وأنظمتها وعلومها قد تزول وتندثر تحت وطأة الأزمات أو الكوارث، لكن الإنسان كنوع وككائن مكلف باقٍ ومستمر إلى اليوم الموعود. إن بقاء الإنسان هو الحقيقة الثابتة وسط متغيرات الوجود المتسارعة، وسيبقى يمارس دوره في الأرض إلى اللحظة القدرية التي ينفخ فيها في الصور.

إن دلالة هذا البقاء الإعجازي تكمن في يقين راسخ بأن هذا الوجود ليس متروكاً للصدف أو لأهواء البشر، بل يدبره إله واحد أحد، يمسك بزمام الأقدار ويسير الكون وفق مشيئته النافذة. فالغايات التي خلق الله من أجلها هذا الكون هي التي ستحقق في نهاية المطاف حتماً ويقيناً. فالله عز وجل هو الذي "يدبر الأمر" في كل تفصيلة من تفاصيل هذا المسار البشري المعقد، وهو الذي "يفصل الآيات" ليتدبرها العاقلون، مدركين في نهاية المطاف أن المصير المرجعه إليه وحده سبحانه، وأن الرحلة الإنسانية مهما بلغت من تسارع أو واجهت من أخطار، تسير وفق خطة إلهية محكمة لا يعتريها خلل.

ثالثاً: الخاتمة

خلاصة القول، إن الصراع بين التقدم المادي وبين الأخطار الوجودية ليس إلا فصلاً من فصول اختبار الاستخلاف البشري على الأرض. فبينما قد تتهاوى الهياكل الحضارية وتندثر المنجزات التقنية، يظل "الإنسان" هو الثابت الوحيد في معادلة البقاء، محصناً بالغاية التي خُلق من أجلها. إن استيعابنا لحقيقة أن الوجود يدبره خالق عليم، يمنحنا الطمأنينة النفسية واليقين العقلي بأن مسيرتنا ليست عبثاً، وأن كل تسارع في الزمن يقابله إحكام في التدبير، حتى يبلغ الكتاب أجله.

رابعاً: التوصيات

بناءً على الرؤية الفلسفية والإيمانية للمقالة، يمكن طرح التوصيات التالية:

تعزيز الوعي بالغاية الوجودية: ضرورة إعادة ربط المناهج التعليمية والثقافية بالغاية الأسمى لخلق الإنسان، مما يقلل من حدة "القلق الوجودي" الناتج عن التسارع المادي.

التوازن بين التسارع والقيم: دعوة المؤسسات الفكرية والعلمية لضبط وتيرة التقدم التقني بضوابط أخلاقية وإيمانية تضمن تسخير المنجزات لمصلحة الإنسان لا لاستعباده.

ترسيخ مبدأ الاستخلاف: العمل على غرس مفهوم "تسخير مكونات الوجود" كمسؤولية أخلاقية تجاه الأرض والبيئة، لضمان استمرار الموارد للأجيال القادمة.

تنمية اليقين والتدبر: حث الأفراد على التأمل في "آيات الله المفصلة" في الكون والتاريخ، لاستلهام الدروس من سقوط الحضارات السابقة وبقاء الجوهر الإنساني.

الاستثمار في بناء "الإنسان" لا "البنيان" فقط: التركيز على التربية الروحية والعقلية للفرد، لأن الإنسان هو الكائن الباقي والمكلف، بينما المنجزات المادية زائلة بطبعها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.