فارس الخوري: الفارس الذي ترجّل عن صهوة القوافي ليعتلي منبر السياسة
فارس الخوري: الفارس الذي ترجّل عن صهوة القوافي ليعتلي منبر السياسة

حين أغمض فارس الخوري عينيه في مطلع عام ١٩٦٢، فُجع الوطن العربي برحيل شخصية فذة قلّما يجود الزمان بمثلها؛ فقد كان السياسي المحنك، والاقتصادي الرائد، والقانوني الضليع الذي أرسى دعائم المؤسسات الوطنية السورية. لقد تبارى المفكرون في رثاء مواقفه البطولية تحت قبة الأمم المتحدة وفي أروقة المجلس النيابي، مجمعين على أنه كان "رجل الأزمات" الذي ترك فراغاً لا يُملأ في جسد الأمة، ومجمعين كذلك على عبقريته في إدارة شؤون الدولة والاقتصاد، لكن صدى هذه الإنجازات المدوية غطى على جانب خفي وشديد الرقة في شخصيته، وهو كونه شاعراً من فحول الشعر العربي، كاد أن يزاحم الخالدين لو أنه وهب القوافي من وقته ما وهبه للسياسة.
لقد طغت أعباء النضال الوطني والقومي على مواهب الخوري، فجرفته السياسة بعيداً عن دنيا القصائد، حتى بات الناس ينسون تلك القريحة الجياشة التي لم تكن تنطق إلا في المناسبات الكبرى أو في سويعات الفراغ النادرة. ومع ذلك، ترك الخوري إرثاً شعرياً موزعاً في طيات الصحف القديمة، يبرز منه ولعه المبكر بالشعر الملحمي، حيث نظم عام ١٩٠٥ ملحمة تاريخية ضخمة وصف فيها الحرب "الروسية اليابانية" بأسلوب قصصي شيق ودقة متناهية، مُقسماً إياها إلى أجزاء تعكس نضجه الفني وهو لا يزال في ريعان الشباب، وهي الملحمة التي يتطلع المثقفون اليوم لإعادة إحيائها كجزء أصيل من التراث الأدبي المجهول لهذا القائد.
وفي أغراض الرثاء، تجلت شاعرية الخوري كأصدق ما يكون التعبير عن اللوعة والوفاء، فسكب دموعه شعراً على رحيل رفيق دربه الزعيم فوزي الغزي عام ١٩٢٩، مستذكراً أيام السجن والنفي في جزيرة "أرواد" بأبيات تفيض بالحرارة والصدق الإنساني. كما خلد بمرثية نادرة ذكرى شهداء السادس من أيار عام ١٩١٦، حيث اهتز كيانه أمام جلال التضحية، فخرجت قصيدته "ضاق الفؤاد" لتصور عمق الفاجعة التي ألمت بسورية، منندداً في الوقت ذاته بمتملقي الطغاة، مما جعل من شعره وثيقة تاريخية وعاطفية تؤرخ لآلام الأمة وآمالها ببيان ناصع وقوة روحية لافتة.
لم تقتصر شاعريته على الرثاء والنضال، بل كان للفارس صولات وجولات في فنون الهجاء والإخوانيات؛ فمن قصيدته المدوية في هجاء السلطان عبد الحميد عام ١٩٠٩ (والتي ندم عليها لاحقاً بعد إدراكه للمؤامرات التي حيكت ضد الخلافة)، إلى مداعباته الشعرية الرقيقة في المواقف الاجتماعية. ومن أطرف ما نُقل عنه قصيدة "حبة السبحة" التي نظمها في خمسين بيتاً بعد انفراد حبة من سبحته في مجلس صديقه الشاعر سليم العنجوري، وهي قصيدة تبرهن على قدرته الفائقة على تطويع اللغة وتوليد المعاني حتى من أبسط الأحداث اليومية، بأسلوب يجمع بين الرصانة والعذوبة.
كذلك برز الخوري كشاعر يحترم الفن ويقدر أهله، فشارك في تكريم "شاعر النيل" حافظ إبراهيم بقصيدة ألقاها بصوته الجهوري، كما رثى رائد الزجل اللبناني رشيد نخلة بأبيات تعتذر من "فحول الشعر" عن انقطاعه الطويل بسبب مشاغل الدولة، معترفاً بأن السياسة قد غبنته عن شوطه المجيد في دنيا القوافي. وفي لمحات إنسانية أخرى، وجدناه يخمس نونية ابن زيدون، ويتغزل بوفاء زوجته الراحلة "أسماء" في قصائد تنم عن قلب رقيق لم تستطع خشونة العمل السياسي أن تطمس معالم رقته وفطرته السليمة.
في الختام، يظل فارس الخوري نموذجاً فريداً للمثقف الشامل الذي سخر مواهبه المتعددة لخدمة وطنه؛ فبينما خسرته ساحات الشعر كشاعر محلق كان بإمكانه الوقوف جنباً إلى جنب مع شوقي وحافظ، كسبه الوطن العربي زعيماً وطنياً بنى صرح الاقتصاد وقارع الاستعمار بحكمة ورزانة. إن حياته لم تكن مجرد سيرة سياسية، بل كانت قصيدة كبرى كُتبت بالعمل والنضال، وظل شعره الموزع هنا وهناك شاهداً على تلك الروح المبدعة التي اختارت أن تضحي بمجدها الشخصي في الأدب، من أجل مجد الأمة وحريتها وسيادتها.