لغز العبقرية المسرحية: وليم شكسبير بين مأساة الحياة وظلال الشك

لغز العبقرية المسرحية: وليم شكسبير بين مأساة الحياة وظلال الشك

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

لغز العبقرية المسرحية: وليم شكسبير بين مأساة الحياة وظلال الشك

image about لغز العبقرية المسرحية: وليم شكسبير بين مأساة الحياة وظلال الشك

المقدمة

يظل وليم شكسبير الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الأدب العالمي؛ فهو الذي طوع اللغة الإنجليزية لتنطق بأعمق خلجات النفس البشرية، وهو الذي مزج بين المأساة والملهاة في نسيج عبقري لم يسبقه إليه أحد. ورغم كونه "وليام العظيم" الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بمسرحياته، إلا أن حياته الشخصية الغامضة وندرة آثاره الخطية فتحت أبواباً لا تنغلق من التساؤلات حول هويته الحقيقية. تتناول هذه المقالة جوانب من حياته الأسرية، وأسلوبه الأدبي الفريد، والجدل التاريخي المثار حول أحقية نسب أعماله إليه.

عاش شكسبير حياة عاطفية هادئة تجاه أسرته، حيث عُرف بحبه الكبير للأطفال، رغم أنه لم يُرزق إلا بثلاثة أبناء: سوزانا وجوديت وهامنيت. وقد انعكس هذا الحس الإنساني المرهف على أعماله؛ حيث تفوق على أقرانه في قدرته الفذة على مزج الضحك بالدموع، فجعل أشد مآسيه قسوة لا تخلو من لحظات هزل مكشوف. لقد صور الحياة في كل تناقضاتها، من صوت العواطف المكتوم إلى صخب الشهوات، بلغة تراوحت بين الغرابة العميقة والعاطفة الجياشة، مسترجعاً روح التراجيديا اليونانية القديمة ليكسبها طابعاً عالمياً خالداً.

تزامنت نهايات المسيرة الإبداعية لوليام العظيم مع رغبته في التحرر من صخب المدينة ونزواتها، فشد رحاله عائداً إلى مسقط رأسه في "سترانفورد" حوالي عام 1610م بعد أن بدأت الشيخوخة تدب في أوصاله. وكأن القدر أراد أن يعلن عن قرب نهاية عصره؛ إذ التهمت النيران مسرح "جلوب" الشهير، الشاهد على معظم نجاحاته الكوميدية. وفي 23 أبريل 1616م، انطفأت شمعة هذا العبقري، مخلفاً وراءه وصية خصص فيها ثروته لأطفاله، وعشرة جنيهات للفقراء، ليودع العالم بجسده ويبقى بروحه في نصوصه.

المثير للدهشة في سيرة شكسبير، كما هو الحال مع موليير، أنه لم يترك وراءه أي أثر شخصي يدل على حياته اليومية، فلا خطاب خاص ولا مخطوط مكتوب بخط يده، باستثناء ثلاثة أو أربعة توقيعات متباينة. لقد نبت شكسبير في بيئة متواضعة، ولم ينتمِ إلى "العراقة الأدبية" بمفهومها الطبقي، بل بدأ مسيرته كمهرج وممثل قبل أن يتجه للكتابة في سن الأربعين تقريباً. هذا "الغموض التوثيقي" هو ما مهد الطريق لظهور نظريات تشكك في نسبة أعماله إليه، وتحاول البحث عن مؤلف "أرستقراطي" خلف هذا الاسم.

بدأت شرارة التشكيك الكبرى عام 1856م على يد الأمريكية "ديليا بيكون"، التي ادعت أن شكسبير ليس إلا اسماً مستعاراً لعمها الفيلسوف "فرانسيس بيكون"، حامل الأختام الملكية. ورغم أن مجلة "بوتنام" نشرت هذا الادعاء المثير، إلا أن الحقائق أثبتت زيف صلة القرابة بين ديليا والفيلسوف، وانتهى بها المطاف في ملجأ للمرضى النفسانيين. ومع ذلك، لم يتوقف الباحثون عند هذا الحد، بل استمروا في طرح فرضيات بديلة تحاول تفسير كيف لكاتب لم يغادر إنجلترا أبداً أن يصف بلداناً كإيطاليا والدنمارك بدقة متناهية.

انبرى الفرنسي "آبيل لوفران" في القرن العشرين للدفاع عن فرضية أخرى، مفادها أن شكسبير هو "كونت داربي السادس"، مستنداً إلى أن الكونت زار البلدان التي وصفها شكسبير في مسرحياته. لكن هذه الحجة تهافتت أمام سؤال بسيط: لماذا توقف الكونت عن الكتابة بعد موت شكسبير بـ 25 عاماً؟ كما ظهرت فرضيات أخرى ترشح الشاعر "مارلو" ليكون هو المؤلف الحقيقي، لكن وفاته عام 1593م، بينما عاش شكسبير حتى 1616م، جعلت هذا الافتراض يحتاج إلى "بعث من الموت" ليصدقه العقل، وهو ما حاول المحرر الأمريكي "كالفين هوفمان" الترويج له دون جدوى.

لم تتوقف قائمة "المؤلفين المحتملين" عند الأدباء والنبلاء فحسب، بل شملت الملكة إليزابيث، والملك جاك الأول، وحتى فرضية العمل الجماعي لمجموعة من المؤلفين المتضامنين. وخلاصة هذه السجالات التاريخية أن البعض يرى أن المؤلف قد يكون أي شخص عدا شكسبير نفسه! ولكن، وبغض النظر عن هذه الافتراضات التي تفتقر للدليل القاطع، يظل شكسبير في نظر التاريخ والوجدان الأدبي هو صاحب تلك العبقرية المسرحية الفذة، وهو الشخص الذي استحق أن يُخلد اسمه كأعظم عباقرة المسرح الإنساني.

الخاتمة

سواء كان شكسبير هو ذلك الممثل البسيط القادم من سترانفورد، أو كان اسماً مستعاراً لشخصية أخرى، فإن الحقيقة الثابتة هي أن تلك النصوص قد وُجدت وغيرت وجه الأدب. إن البحث في هوية شكسبير هو في جوهره بحث عن "سر العبقرية": هل هي نتاج دراسة وسفر وعراقة طبقية، أم هي منحة ربانية تتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية؟ يظل شكسبير هو "مالك العرش" في مملكة الشعر والمسرح، وتبقى أعماله الشاهد الوحيد والنهائي على عظمة عقله.

التوصيات

الفصل بين الأدب والبيوغرافيا: الاستمتاع بالنصوص الشكسبيرية كقيمة جمالية وإنسانية عليا بمعزل عن الجدل المثار حول هوية كاتبها، فالنص هو الحقيقة الأبقى.

تكثيف البحث الوثائقي: تشجيع المؤسسات الثقافية على البحث في الأرشيفات الإنجليزية المنسية لعلها تعثر على مخطوطات أو رسائل تحسم الجدل حول آثار شكسبير الشخصية.

دراسة الأدب المقارن: تدريس نتاج شكسبير وموليير في سياق واحد لفهم كيف يمكن للبيئة المتواضعة أن تنتج عبقرية تتجاوز النخبة الأرستقراطية.

التوعية ضد التشكيك بلا دليل: الحذر من المبالغات التاريخية التي تحاول تجريد المبدعين من إنجازاتهم بناءً على افتراضات طبقية (مثل افتراض أن الفقير لا يمكنه وصف المدن العالمية).

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1093

متابعهم

662

متابعهم

6690

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.