صناعة الوجدان: لماذا يجب أن نعلم أبناءنا تذوق الفن؟
صناعة الوجدان: لماذا يجب أن نعلم أبناءنا تذوق الفن؟
موقف أفلاطون وتحفظه على الفن المحاكي:
انطلق أفلاطون في تصوره لـ "الدولة المثالية" من موقف صارم تجاه الفنون كالشعر والتصوير، حيث اعتبرها مجرد "محاكاة للمحاكاة". ففي نظره، يقدم الفنان تصويراً لشيء محسوس (كشجرة الورد)، بينما الشيء نفسه هو مجرد ظل للفكرة المطلقة أو النموذج العقلي المجرد في عالم المعقولات. وبناءً على ذلك، رأى أفلاطون أن الفن يبعدنا عن الحق خطوتين؛ فهو أقل صدقاً من الواقع المحسوس، والواقع بدوره أقل صدقاً من الحقيقة العقلية، مما جعله يوصي باستبعاد الشعراء والمصورين من دولته التي تنشد العلم الخالص.
استثناء الموسيقى كأداة للتربية النفسية:
رغم موقفه الرافض للفنون البصرية والكلامية، أصر أفلاطون على جعل الموسيقى ركناً أساسياً في تعليم الطفل منذ نعومة أظفاره. ويعود هذا الاستثناء إلى إيمانه بأن الموسيقى ليست مجرد محاكاة، بل هي هندسة صوتية تترك في النفس خصائص "التناسب المحكم". فدوام الاستماع إلى الأنغام الموزونة يطبع النفس بصفة التناغم والترتيب، ولولا هذا التناسب لتحولت الأنغام إلى ضجيج منفر، مما يجعل الموسيقى وسيلة فعالة لتهذيب الروح وصياغة الوجدان بعيداً عن فوضى الأصوات.
التذوق الفني وإدراك الوحدة العضوية:
يكمن الخطأ الجسيم الذي وقع فيه أفلاطون في ظنه أن الفن مجرد نقل حرفي للواقع، بينما الفن المعاصر يعتمد على الإيحاء والتجريد. إن القيمة الحقيقية التي يتركها العمل الفني في نفس المتلقي هي ذاتها التي تتركها الموسيقى: "إدراك التناسب بين الأجزاء". فالتذوق الفني يعلمنا كيف تتوحد العناصر المشتتة لتشكل كياناً موحداً ذا معنى، وهو إدراك يحول الأجزاء من مجرد أشتات بغير غاية إلى وحدة عضوية متكاملة ترفض التفكك.
الفن كعلاج للفوضى السلوكية والاجتماعية:
هناك علاقة وثيقة ومباشرة بين غياب التذوق الفني وبين "الفوضى" التي تفتت القوى العربية المعاصرة وتفكك أوصالها. فمن الصعب جداً أن ينشأ إنسان على تذوق الجمال وإدراك النسب الصحيحة والتعاون بين أجزاء القطعة الفنية، ثم يميل في سلوكه اليومي إلى الفوضى أو العشوائية. إن تربية الأبناء على الفن هي في جوهرها تربية على "النظام"، فالفوضى ما هي إلا امتناع للكيان الموحد واضطراب في النسب، والفن هو المعلم الأول للانتظام والتوافق.
إحياء التراث عبر الاتصال الوجداني:
يتجاوز تذوق الفن حدود التهذيب السلوكي ليكون رابطاً حياً يربط العرب المعاصرين بأسلافهم. إن إحياء التراث لا يعني الانكفاء على الماضي أو الوقوف عند أطلاله، بل يعني "تشرب روح التراث" وجعلها تسري في العروق عبر لحظات التذوق الفني. فعندما يقرأ الطالب شعر البحتري بتذوق، فإنه يندمج في رؤية الشاعر ويسمع بأذنيه، مما يحقق استمرارية روحية وجوهرية بين الأجيال، تجعل الإنسان المعاصر يحس بأنه امتداد لأجداده مهما اختلفت تفاصيل العيش المادية.
الفن كمنهج لبناء الإنسان والمستقبل:
إن الدعوة لإدراج مقررات التذوق الفني في التعليم هي دعوة لبناء إنسان مهذب يشعر بكرامته ويقدس جدية العمل وتنسيق الوسائل مع الأهداف. بتعليم الأبناء كيف يتذوقون الفن، نحن نمنحهم الأدوات لاستلهام ماضيهم المجيد وصياغة حاضر أمجد؛ فنحن لا نعلمهم الرسم أو العزف لذاتهما، بل نعلمهم "حب النظام" و"سمو الإحساس"، لنضمن نشوء جيل يدرك قيمة التناسب والوحدة، وقادر على تحويل شتات الواقع إلى كيان حضاري متماسك.