سيكولوجية القلق: بين الفطرة الموروثة والتعلم المكتسب
سيكولوجية القلق: بين الفطرة الموروثة والتعلم المكتسب

1. القلق كمحرك للسلوك وآلية للتجنب
يلعب القلق دوراً محورياً في توجيه سلوك الإنسان، حيث يظهر غالباً كقوة كابحة تتعارض مع إشباع الدوافع الأخرى. فالطفل الذي يخشى القفز أو يرهب عقوبة والديه، يجد نفسه في صراع دائم بين رغباته ومخاوفه. ولأن مجرد التفكير في كسر القواعد قد يثير المزيد من التوتر، يتعلم الإنسان "التجنب" كإستراتيجية دفاعية؛ فالتوقف عن الفعل أو الفكرة يقلل من حدة القلق الناجم عنها، مما يعزز سلوك الانسحاب ويجعله نمطاً حياتياً مريحاً ظاهرياً لكنه مقيد للطموح.
2. جذور القلق: التفاعل بين البناء التركيبي والبيئة
يبدأ القلق كمزيج من ردود فعل فسيولوجية غير مكتسبة، مثل خفقان القلب، وسرعة النبض، وجفاف الحلق، وهي جزء من البناء التركيبي الأصيل للإنسان. ومع ذلك، فإن إثارة القلق في مواقف معينة هي عملية "تعلم" بامتياز؛ فالطفل لا يولد خائفاً من الكلاب، بل يكتسب ذلك من خلال ملاحظة انفعالات والديه (مثل هستيريا الأم). بمجرد حدوث هذا الارتباط الشرطي بين المثير (الكلب) والاستجابة (الخوف)، يتطور دافع التجنب، ويصبح القلق استجابة مكتسبة تتبع أسس التعلم والتعميم على مواقف مشابهة.
3. الألم والجوع كبواعث فطرية للقلق
يُعد الألم من أهم المنبهات التي تنتج القلق فطرياً، وهو ما يفسر معاناة الرضع منه في مراحل مبكرة جداً. فوخز دبوس أو آلام القولون أو الجوع الشديد كلها تجارب حسية مؤلمة تربط بين الحاجة الفيزيولوجية والشعور بالتهديد. وبمرور الوقت، يتعلم الرضيع توقع الألم عند شعوره بالجوع، فيتحول هذا التوقع إلى قلق استباقي. لذا، فإن إهمال احتياجات الرضيع أو تعريضه للألم صدفةً يضع الأسس الأولى للشعور بالقلق المرتبط بالبيئة المحيطة وبالأشخاص الموكلين برعايته.
4. القلق الناتج عن خيبة التوقعات والمنبهات المفاجئة
لا يقتصر القلق على الألم فحسب، بل يمتد ليشمل "التغيير المفاجئ" في المنبهات المعروفة. فالعقل يبني توقعات محددة عن العالم (مثل أن الحيوانات لها أربعة أقدام)، وإذا ما اختلت هذه التوقعات، ينشأ القلق. على سبيل المثال، يصرخ الطفل إذا قدمت له أمه جسماً غريباً مكان زجاجة الرضاعة المعتادة؛ ليس خوفاً من الجسم نفسه، بل نتيجة "الدهشة" واختلال النظام المتوقع. هذا النوع من القلق يشير إلى نضج الإدراك الحسي، حيث لا يظهر إلا بعد أن يبني الإنسان تصورات ذهنية مستقرة عن محيطه.
5. التكييف الشرطي وتحليل القلق المكتسب
القلق استجابة داخلية تتشكل من خلال "التوقع لحادث غير مريح". ويمكن تحليل تعلم القلق عبر الاقتران بمثيرات محايدة؛ فإذا قام أخ أكبر بنغز رضيع بدبوس، سيقترن وجه الأخ (مثير محايد) بالألم (مثير فطري)، ليصبح ظهور الأخ وحده كافياً لإثارة القلق مستقبلاً. وتثبت التجارب الكلاسيكية أن الخوف يمكن تعميمه وانطفاؤه وتمييزه كأي سلوك آخر، مما يجعل القلق "وظيفة للتجارب المتعلمة" التي يمر بها الطفل في بيئته الاجتماعية.
6. مصادر القلق الكبرى وتأثيرها على مفهوم الذات
تتعدد مصادر القلق لتشمل الخوف من الألم الجسماني، وفقدان الحب والدعم، والشعور بـ "الإثم" الذي يظهر بوضوح في العام الرابع نتيجة انتهاك المعايير الداخلية. كما يبرز القلق الناتج عن الشعور بعدم السيطرة على المحيط (الشعور بالنقص)، وأخيراً القلق من الانحراف عن مفهوم الذات أو توقعات الحضارة. فالفرد يشعر بضغط هائل عندما يدرك تعارض صفاته الشخصية مع المعايير المثالية لمجتمعه، مما يرفع من حدة قلقه ويؤثر بعمق على نموه النفسي وتقديره لذاته.