سيكولوجية الاتجاهات: جدلية الفرد والمجتمع وآليات التشكيل النفسي

سيكولوجية الاتجاهات: جدلية الفرد والمجتمع وآليات التشكيل النفسي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سيكولوجية الاتجاهات: جدلية الفرد والمجتمع وآليات التشكيل النفسي

صورة لوحة فنية سريالية تعبر عن علاقة الفرد بالمجتمع والتشكيل النفسي والاتجاهات النفسية والاجتماعية أفكار وعقول مترابطة

1. التفاعل الحيوي بين الذات والمحيط الاجتماعي

يرتبط الفرد بالمجتمع برباط عضوي يتجاوز مجرد توفير الاحتياجات المادية من مأكل ومأوى؛ فالمجتمع هو الحاضنة التي تمنحه الخبرات والثقافة والمهارات اللازمة للتكيف. وبما أن الإنسان "حيوان اجتماعي" بطبعه، فإنه يميل فطرياً للانتماء وينفر من العزلة، خاصة وأنه يولد كائناً ضعيفاً يحتاج لرعاية تمتد لسنوات طويلة. خلال هذه الفترة، يكتسب الفرد أنماط الحياة الاجتماعية وتتكون لديه علاقة تفاعل "جدلية" قائمة على الأخذ والعطاء، حيث يؤثر المجتمع في الفرد عبر التنشئة، ويؤثر الفرد في المجتمع من خلال الابتكار والعمل الذي يغير النظم الاجتماعية ويطورها.

2. التنشئة الاجتماعية كمحدد للسلوك الإنساني

تعد عملية التنشئة الاجتماعية الأداة الرئيسية التي يستخدمها المجتمع لتطبيع أفراده وفق نمط ثقافي معين. تبدأ هذه العملية منذ الميلاد، حيث يمتص الطفل القيم والاتجاهات من بيئته المحيطة، وهذه المكتسبات ليست مجرد أفكار عابرة، بل تصبح عوامل محددة لشخصيته وسلوكه المستقبلي. ومن هنا، يبرز دور البيئة الاجتماعية في صياغة السلوك، وهو ما دفع الدول المتقدمة للاهتمام بتنظيم بيئة الطفل لخلق اتجاهات إيجابية بناءة، مع الاعتراف بأن العوامل الوراثية توفر "الإمكانات الخام" التي تشكلها البيئة بثرائها وتجاربها المتنوعة.

3. الاتجاه النفسي: الجذور التاريخية والتطور المفاهيمي

تطور مفهوم "الاتجاه" (Attitude) من دلالات فيزيائية إلى مجال الأخلاق، ثم استقر كمصطلح علمي في السيكولوجيا التجريبية، حيث استخدمه "هربرت سبنسر" لوصف الحالة الذهنية التي تؤثر على الأحكام. وقد نال هذا المفهوم أهمية قصوى في علم النفس الاجتماعي لقدرته على تجنب الصراعات المدرسية بين الوراثة والبيئة، ومرونته في التطبيق على الأفراد والجماعات. ومع شيوع استخدام المقاييس النفسية، اعتبره بعض العلماء جوهر علم النفس الاجتماعي، كونه يمثل الاستعداد العقلي الكامن الذي يسبق الاستجابة الفعلية للمثيرات في البيئة.

4. ماهية الاتجاهات: استعدادات مكتسبة ودوافع كامنة

رغم تعدد التعريفات (مثل تعريفات آلبورت، ترستون، ونيوكومب)، إلا أن الباحثين يتفقون على أن الاتجاه هو "حالة من التأهب العصبي والنفسي" تتشكل عبر الخبرة. يتميز الاتجاه بأنه ليس سلوكاً ظاهراً بحد ذاته، بل هو الدافع القابع وراء السلوك، والذي يوجه استجابة الفرد نحو الموضوعات المختلفة بالقبول أو الرفض. ويبرز هنا الفرق بين الاتجاه والسمات الفطرية؛ فالأول مكتسب بالتعلم والمحاكاة، وهو ديناميكي وقابل للتعديل رغم ثباته النسبي، مما يجعله المحرك الأساسي للأنا (EGO) التي تسعى لمسايرة الواقع والقيم الاجتماعية السائدة.

5. خصائص الاتجاهات ووظائفها في حياة الفرد

تتسم الاتجاهات النفسية بالديمومة النسبية والذاتية، وهي دائماً ما تقع على خط مستقيم بين قطبين (موجب وسالب). تؤدي هذه الاتجاهات وظائف حيوية؛ فهي تنظم العمليات الإدراكية، وتسهل اتخاذ القرارات السريعة دون تردد طويل، وتوحد أنماط السلوك بين أفراد المجتمع الواحد. كما تتنوع هذه الاتجاهات لتشمل النوع الموجب (تأييد) والسالب (رفض)، والعام والخاص، والظاهر والخفي. ومن أخطر أنواعها "الاتجاهات الجامدة" أو النمطية، وهي أحكام مسبقة يصعب تعديلها، وتتكون عادة تجاه الجماعات العرقية أو القومية المختلفة.

6. آليات التكوين ومنهجية القياس العلمي

تتشكل الاتجاهات عبر ثلاث مراحل: الاتصال المباشر بالموضوع، ثم تولد ميل أو نفور، وأخيراً استقرار هذا الميل كاتجاه ثابت. تلعب الأسرة (خاصة الأم) والمدرسة دوراً جوهرياً في هذا التكوين من خلال الثواب والعقاب والقدوة. ولأهمية التنبؤ بالسلوك، ابتكر العلماء طرقاً دقيقة للقياس، مثل "مقياس بوجاردس" للمسافة الاجتماعية، وطريقة "ترستون" للمسافات المتساوية، ومقياس "ليكرت" الخماسي الشهير. كما تُستخدم الاختبارات الإسقاطية للكشف عن الاتجاهات الدفينة التي قد لا يفصح عنها الفرد صراحة، مما يتيح فهماً أعمق للبناء النفسي المعقد للإنسان.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1041

متابعهم

651

متابعهم

6683

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.