مش عايز اتجوز
هل الزواج أصبح تهديد دائم بالنسحاب؟!!
الزواج لم يعد أمانا كما كان، ليس لأن الفكرة انهارت، بل لأن الناس تغيرت جذريا. لم نعد ندخل العلاقات بدافع المشاركة، بل بدافع الحذر. كل طرف يحمل داخله شكا صامتا، وخطة انسحاب غير معلنة، وكأن الزواج تجربة مؤقتة وليست التزاما طويل النفس. هذا التحول وحده كفيل بأن يسحب من الزواج جوهره الأساسي: الطمأنينة.

الزواج في الماضي والحاضر:
في الماضي، كان الزواج يبنى على فكرة الاحتمال، احتمال الخطأ، واحتمال الملل، واحتمال التعب، لكن مع استعداد للاستمرار. اليوم لم يعد هناك استعداد للاحتمال، كل شيء يجب أن يكون مريحا وسهلا وسلسا، وأي تعقيد يفسر على أنه فشل. وهنا تبدأ المخاطرة، لأن العلاقات بطبيعتها معقدة، ومن يرفض التعقيد يرفض الزواج دون أن يعترف.
الخوف الحالي ليس من الوحدة، بل من الارتباط الخطأ. الناس لم تعد تسأل: هل أحب؟ بل تسأل: ماذا لو ندمت؟ ماذا لو استنزفت؟ ماذا لو خسرت نفسي؟ هذه الأسئلة لا تقال بصوت عال، لكنها تتحكم في كل تصرف، وتحول الزواج من مساحة أمان إلى ساحة اختبار نفسي دائم.
السوشيال ميديا والزواج:

وسائل التواصل الاجتماعي زادت الأمر سوءا، لأنها صنعت صورة مثالية لا وجود لها. بيوت بلا خلاف، شركاء دائما متفاهمون، حب بلا ملل، وشغف بلا فتور. ومع كل مقارنة صامتة، يفقد الزواج الواقعي قيمته، ويبدأ الإحساس بأن المشكلة في الشريك لا في التوقعات. هكذا يتحول الصبر إلى عبء، والالتزام إلى قيد.
الحب وحده لم يعد كافيا، بل صار أحيانا عبئا إضافيا. لأن الحب بلا وعي ولا نضج ولا قدرة على إدارة الخلاف، يتحول إلى استنزاف متبادل. كثيرون أحبوا بصدق، لكنهم لم يعرفوا كيف يعيشون مع اختلافاتهم، فاكتشفوا متأخرين أن المشاعر القوية لا تعني علاقة قوية.
مش عايز اتجوز!!
العزوف عن الزواج عند البعض ليس هروبا، بل محاولة واعية لتجنب تكرار نماذج مؤلمة شاهدوها عن قرب. زيجات بدأت بحماس وانتهت ببرود، بيوت امتلأت بالصمت بدل الألفة، وأشخاص فقدوا أنفسهم وهم يحاولون إنقاذ علاقة واحدة. في ظل هذه المشاهد، يصبح التردد مفهوما، بل منطقيا.
الزواج لم يفقد قيمته، لكنه فقد وهم الضمان. لم يعد عقدا يمنح الأمان تلقائيا، بل علاقة تحتاج إنسانا ناضجا قادرا على البقاء حين تصبح الأمور عادية، لا جميلة ولا كارثية. الأمان لم يعد في الفكرة، بل في الشخص، وفي قدرته على الالتزام وقت الملل، والاحترام وقت الغضب، والاستمرار وقت الشك.
لهذا، الزواج اليوم مخاطرة، ليس لأنه سيئ، بل لأنه يتطلب ما لم يعد متوفرا بسهولة: إنسان ثابت في زمن متقلب، وقلب لا يبحث عن البديل مع أول اهتزاز. ومن لا يمتلك هذا الاستعداد، سيدخل الزواج ويخرج منه أكثر تعبا مما دخل.
وفي النهايه:
الحل ليس في الهروب من الزواج، ولا في الاندفاع إليه، بل في إعادة تعريفه بوعي. الزواج لا يحتاج حبا أكبر، بل فهما أعمق، ولا يحتاج وعودا رومانسية، بل اتفاقا صريحا على كيفية التعامل مع الخلاف قبل أن يحدث. من يفكر في الزواج اليوم عليه أن يسأل نفسه: هل أستطيع البقاء عندما تخفت المشاعر؟ وهل أملك القدرة على الإصلاح لا الاستبدال؟ لأن العلاقة التي تنجو ليست الأقوى شعورا، بل الأقدر على الاحتمال.
النصيحة الأهم أن لا تبحث عن شخص يكملك، بل عن شخص يتحمل معك الحياة كما هي، بتقلباتها ومللها وضغطها. الأمان لا يأتي من التشابه التام، ولا من الحب وحده، بل من الصراحة، وحدود واضحة، واستعداد مشترك للاستمرار دون تهديد دائم بالانسحاب. حينها فقط، يعود الزواج مساحة أمان… لا مخاطرة.