ديوان: سُلطانُ الرُّوح بقلم \ علي عيسي

ديوان: سُلطانُ الرُّوح
بقلم \ علي عيسي
[المقدمة]
الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل من الحرف نوراً يهدي القلوب، ومن القوافي ترجماناً للمشاعر والأرواح.
أما بعد..
إلى كل روح تذوقت حلاوة العشق، وإلى كل قلب عرف معنى الوفاء، وإلى كل نفسٍ أبَت إلا أن تعيش بكرامة وتأنف الذل.. أقدم لكم هذا المولود الأدبي المتواضع، "سُلطانُ الرُّوح".
هذا الديوان ليس مجرد كلمات سُطرت، بل هو نبضات قلب عاش الحُب في أسمى تجلياته، فصاغه تارةً بلغة الفصحى الجزلة، حيث تخر البدور ساجدة لجمال "الملكة" و"السلطانة"، وتارةً بلهجة العامية البسيطة والقوية، حيث يتحدث "الرماد" عن كبريائه بعد خمود النيران.
سُلطانُ الرُّوح
الحُبُّ ليسَ بِلَفظَةٍ تُقَالُ . . . . . بَل إنَّهُ السِّحرُ الذي يَنْهَالُ
لَو غَاضَ مَاءُ البَحرِ فوقَ مَحَابِرِي . . . . . لَمْ تَكفِ عَن وَصفِ الهَوَى بمَقَالُ
مَا للحُـروفِ أمَـامَ طُهـرِ عُبُـورِهِ؟ . . . . . تَذوِي ويَعجَزُ دُونَـهُ الارتحَالُ
مَا ذَهَبُ الأرضِ يَقضِي بَعضَ حُقوقِهِ . . . . . لَا يُشترَى بالحَقِّ،و لَا يُكتَالُ
فَهُوَ الصَّلاةُ بِرُوحِ مَن ذَاقَ الهَوَى . . . . . وَهُوَ اليَقِينُ إِذَا غَزَتنا ضَلالُ
وَلَهُ ارْتِعَاشَاتُ النُّفُوسِ مَهَابَةً . . . . . كَالنُّورِ يُشرِقُ، مَا لَهُ مِثَالُ
أَسْمَى مِنَ الشَّكِّ الرَّخِيصِ وَزَيْفِهِ . . . . . فَالحُبُّ عَهْدٌ، وَالوفَاءُ نِضَالُ
فَالحُبُّ نَبضٌ فِي المَشَاعِرِ سَاكِنٌ . . . . . يُحيِي القُلُوبَ، فَتَصلُحُ الأحوَالُ
وهُوَ الجِنَانُ عَلَى الثَّرَى بِنَعِيمِهَا . . . . . دُونَ المَحَبَّةِ دُنيَانَا مُحَالُ
أَهـوَاهُ حتَّى صَارَ نَبضِي وكِيَانِي . . . . . وبِـهِ تَـذُوبُ الهَمُّ والأَهـوَالُ
لَا عَيْشَ لِي دُونَ الوِصَالِ بِلَحظَةٍ . . . . . مَهمَا طَغَتْ في بَيْنِنَا الأميَال
مَن يَشترِي قَلبِا ذَابَ عشقا ؟ . . . . . فَلأَجلِ حُبِّكِ تُرخَصُ الأموَالُ
أَنَا مَن يَبيعُ الكَونَ دُونَ مَرَارَةٍ . . . . . ولأَجلِ وَصلِكِ تَهوُنُ الأثقَالُ
مَلِكَةُ الحُسْنِ
نُـورٌ تَجَلَّى.. فَهَزَّ الأرْضَ والمَـدَرا . . . . . وأخْجَلَ الشَّمْسَ في عَالِيها والقَمَـرا
وافَتْ كَعِـيدٍ يَزُفُّ السَّعْدَ طَلْعَتُهُ . . . . . فَأورَقَ الكَـونُ بالأفْراحِ وانْتَشَـرا
تَمْشي الهُوَيْنَى.. وكُلُّ الخَلْقِ يَتْبَعُها . . . . . بِنَظْرَةٍ تَسْلُبُ الألْبَأبَ والفِكَـرا
رِيـمٌ غَرِيرٌ بَثَوبِ الطُّهْرِ مُشْتَمِلٌ . . . . . يَخْطو حَيَاءً.. فَيُحْيي المَيْتَ والأثَـرا
عَيْنٌ كَحِيلٌ تِيَاهُ السِّـحرِ مَحْجَرُها . . . . . وَالرِّمْشُ كَالنَّبْلِ قَدْ أَصْمَى وَقَدْ قَهَـرا
أَنَامِلٌ كَاللُّجَيْنِ الرَّطْبِ مَلْمَسُها . . . . . وَالخَدُّ وَوردٌ بِفَيْضِ الحُسْنِ قَدْ سَفَـرا
فِي مَشْيِها نَغَمٌ، فِي صَمْتِها لُغَةٌ . . . . . تَغزو القُلوبَ وتَذَرُ العَقْلَ مُنْبَهِـرا
لَحْظٌ كَحِـيلٌ إذا مَرَّتْ لَوَاحِظُهُ . . . . . خَرَّ الجَمالُ لَدَى أقْدَامِها وَجَـرا
سُبْحانَ مَنْ صَاغَ هَذا السِّحرَ آيَتَهُ . . . . . فَتاهَ مَنْ رَامَ وَصْفاً، أو مَنِ انتَظَـرا
هِيَ السَّـعادَةُ نَفْسٌ حِينَ نُبْصِرُها . . . . . نَنْسَى الزَّمَانَ، ونَنْسَى الهَمَّ والقدَرا

سُلْطَانَةُ الْقُلُوب
مَا بَدْرُ تِمٍّ فِي السَّمَاءِ يَدُورُ فِي . . . . . أُفُقٍ، كَحُسْنِكِ إِذْ بَدَا لِرُبُوعِي
خَضَعَتْ لَكِ الْبُدُورُ فَوْقَ عُرُوشِهَا . . . . . وَأَتَاكِ نُورُ الشَّمْسِ دُونَ رُجُوعِ
قَالُوا الْجَمَالُ نَصِيبٌ بَيْنَ خَلْقِهِمُ . . . . . فَقُلْتُ: بَلْ حُسْنُهَا السُّلْطَانُ وَالْمَتْبُوعُ
تَفَرَّدَتْ بِلَيَالِي الدَّهْرِ مُعْجِزَةً . . . . . فَانْصَاعَ لِلْمَجْدِ الْعَظِيمِ خُضُوعِي
تَمْشِي فَيَخْجَلُ كُلُّ وَرْدٍ أَحْمَرٍ . . . . . وَتَغَارُ مِنْ خُطُوَاتِهَا ضُلُوعِي
عَزَّتْ عَنِ الْوَصْفِ الْجَلِيلِ بَهَاءُهَا . . . . . وَالْحُسْنُ صَارَ لِأَجْلِهَا مَشْرُوعِي
عَيْنَاكِ إِعْجَازٌ يُزَلْزِلُ مُهْجَتِي . . . . . فِيهَا السِّحْرُ وَآيَةُ التَّشْفِيعِ
إِنْ نَامَتِ الْأَجْفَانُ غَارَ لَهَا الْهَوَى . . . . . وَإِذَا رَنَتْ سَجَدَ الْأَنَامُ لِرُكُوعِي
أَنَا يَا مَلَاكِي فِي هَوَاكِ مُقَيَّدٌ . . . . . وَتَسِيلُ فِي شَوْقِ الْحَيَاةِ دُمُوعِي
أَنْتِ الْحَلَاوَةُ وَالرَّقَاقَةُ وَالْعُلَا . . . . . وَتَاجُ فَخْرِكِ قَدْ أَضَاءَ شُمُوعِي
فَتِيْهِي فَخَاراً يَا فَرِيدَةَ عَصْرِنَا . . . . . أَنْتِ الْأَمِيرَةُ وَالشَّفِيعُ شُفُوعِي
عَهْداً عَلَيَّ وَإِنْ شَابَتْ لَنَا حِقَبٌ . . . . . سَيَظَلُّ حُبُّكِ بَيْنَ طَيِّ ضُلُوعِي

اميرة الرُّوحِ
شَقَّتْ عُيُونُكِ أَسْتَارَ الدُّجَى فَبَدَا . . . . . نُورٌ تَهَاوَتْ لَهُ الأَفْلَاكُ إِكْبَارَا
مَا النَّجْمُ، مَا البَدْرُ فِي عَالِي سَمَائِهِ مَا . . . . . تِلْكَ الشُّمُوسُ إِذَا سُلْطَانُكِ اسْتَارَا؟
أَنْتِ الضِّيَاءُ وَأَنْتِ الكَوْنُ أَجْمَعُهُ . . . . . وَمَنْ تَبُثُّ بِصَدْرِ الرَّوْضِ أَنْهَارَا
خَجْلَى تَوَارَتْ بُدُورُ التِّمِّ عِندَ لِقَا . . . . . هَذَا الجَمَالِ الَّذِي يَجْتَاحُ أَبْصَارَا
إِنِّي رَأَيْتُكِ مِحْرَابَاً لِمُهْجَتِنَا . . . . . فَكَيْفَ أُخْفِي لَظَى العُشَّاقِ وَالنَّارَا؟
صَبَّ النَّسِيمُ عَلَى رُوحِي حَنَانَكِ يَا . . . . . شَمْسَ الحَيَاةِ الَّتِي تَجْلُو لَنَا الدَّارَا
عَهْدَاً عَلَيَّ وَهَذَا القَلْبُ مُرْتَهَنٌ . . . . . لَنْ أَرْتَضِي عَنْ لَهِيبِ العِشْقِ إِدْبَارَا
أَنْتِ البِدَايَةُ فِي سِفْرِ الهَوَى وَبِكِ . . . . . نَخْتِمُ العُمْرَ إِعْلَانَاً وَإِصْرَارَا
أَنْتِ الِيَقِينُ وَكُلُّ الكَوْنِ أَخْيِلَةٌ . . . . . يَا مَنْ بَنَيْتِ بِعُمْقِ الرُّوحِ أَسْوَارَا
تَفْنَى الدُّهُورُ وَيَبْقَى عِشْقُنَا عَلَمَاً . . . . . يَسْتَلْهِمُ الخَلْقُ مِنْ نَجْوَاهُ أَسْرَارَا
خَتَمْتُ فِيكِ كِتَابَ الحُبِّ مُعْتَرِفَاً . . . . . أَنْ لَا مَلَاذَ سِوَى عَيْنَيْكِ إِعْمَارَا
كبرياء الرماد (عامية مصرية)
لسا بتفكر تجيني؟.. بعد ما انتهى شوقي وخلص حنيني
ونسيت كلمة بحبك وراح أنيني.. رميت كل الماضي ورايا
حتى طيفك ما بقاش يجيني.. قلبي فاضي وعمري فاضي
حتى عيني اللي كانت شايفاك.. ما بقتش هي نفسها عيني
اتغيرت وكل حاجة فيّ اتغيرت.. حتى اسمي مش هو اسمي
اللي كنتِ دايماً بيه بتناديني.. ارجع مكانك ما ليكش جوايا مكان
حتى زمانك نسيته أنا من زمان.. وكفاية عليكي تذكريني
بأني كنت الجبل.. وانتي اللي بايدك هدّمتيني!
أنا النهاردة "أنا".. مش صورة باهتة في خيالك
ولا ذكرى مَنسيّة.. بتستنى في يوم سؤالك
قفلت باب الوجع.. ورميت في البحر مفتاحه
والطير اللي انكسر جنحه.. خلاص استرد أفراحه
وفّري دموع الندم.. ما بقاش ليكي عندي رصيد
وقلبي اللي كان طوعك.. بقى النهاردة قلب حديد
روحي لبعيد.. واغرقِ في ليلك وتوهي
أنا خلاص "قمت".. وبطلت في حبك أتوهِ!
[الخاتمة ]
.
لقد كانت رحلة بين القوافي والكلمات، سكبنا فيها مشاعر الحب العذري بأقلام الفصحى، ورسمنا ملامح الجمال والصفاء، قبل أن نقف وقفة عزٍ وكبرياء في رحاب الرماد، نلملم ما انكسر ونعلن الولادة الجديدة للروح.
الشعر، يا أحبة، هو مرآة الدواخل، وقد كانت هذه القصائد مرآةً لصدق العاطفة وعنفوان النفس. أتمنى أن تكون هذه الكلمات قد وجدت طريقها إلى قلوبكم، وأن أكون قد وفقت في تقديم مادة تليق بذائقتكم الرفيعة.
شكراً لكل من قرأ، وشكراً لكل من شعر، وشكراً للحياة التي تلهمنا القوافي.