أيتها الغريبة كيف استطعتِ أن تسكني القلب ثم ترحلي

أيتها الغريبة كيف استطعتِ أن تسكني القلب ثم ترحلي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about  أيتها الغريبة كيف استطعتِ أن تسكني القلب ثم ترحلي

 أيتها الغريبة كيف استطعتِ أن تسكني القلب ثم ترحلي

أيتها الغريبة…

كيف استطعتِ أن تسكني القلب ثم ترحلي دون استئذان؟ وكيف تمكنتِ من ترك هذا الكم الهائل من الذكريات خلفك، وكأنك كنتِ تعلمين أنني سأقضي عمري كله أجمع شتاتها من الطرقات والأماكن والكلمات؟

أيتها الغريبة، ما زلت أراكِ في تفاصيل الأيام الصغيرة؛ في أغنية عابرة، وفي رائحة المطر حين يلامس الأرض لأول مرة، وفي المقعد الفارغ الذي اعتدتِ الجلوس عليه. ما زالت صورتكِ تمر أمام عيني كطيفٍ هارب، لا أستطيع الإمساك به ولا أستطيع نسيانه.

كنتِ يومًا وطنًا آمنًا لروحي، ثم أصبحتِ غربةً لا تنتهي. كنتِ دفئًا يطرد برد الأيام، ثم صرتِ ذكرى باردة تتسلل إلى القلب كل ليلة فتوقظه على وجعٍ قديم. وكلما حاولت أن أتعافى منكِ، وجدتني أعود إلى البداية، كمن يدور في دائرة لا نهاية لها.

أيتها الغريبة…

لم أعد أسأل لماذا رحلتِ، فقد تعبت الأسئلة من الانتظار. ولم أعد أبحث عن تفسيرٍ لما حدث، لأن بعض الحكايات تموت دون أن تترك إجابة. لكنني ما زلت أتساءل كيف يمكن لشخصٍ واحد أن يترك كل هذا الأثر ثم يختفي؟

أمشي بين الناس وأبدو بخير، أبتسم أحيانًا وأتحدث كثيرًا، لكن في أعماقي مدينة كاملة من الحزن لا يراها أحد. مدينة شوارعها الذكريات، وبيوتها الاشتياق، وسماءها ملبدة بغيوم الفقد.

أيتها الغريبة…

كنت أظن أن الزمن قادر على محو كل شيء، لكنه لم يمحُ اسمكِ من الذاكرة، ولم يطفئ صوتكِ في القلب. بل علمني أن بعض الأشخاص لا يغادرون حقًا، حتى وإن ابتعدت خطواتهم آلاف الأميال. يظلون مقيمين في زاوية خفية من الروح، حيث لا تصل يد النسيان.

أحيانًا أحدث نفسي عنكِ كما لو أنكِ ما زلت هنا، وأكتب إليكِ رسائل لن تقرئيها أبدًا، وأحتفظ بكلمات كثيرة لم تجد طريقها إليكِ. كلمات أثقلها الصمت حتى أصبحت تشبه الدموع حين تعجز عن السقوط.

يا من رحلتِ وتركتِ خلفكِ هذا الفراغ الكبير…

هل تعلمين أن بعض الغياب أكبر من أن يُحتمل؟ وأن بعض الفراق لا يشبه الفراق، بل يشبه اقتلاع جزء من القلب وتركه معلقًا في مكانٍ بعيد؟

لقد تعلمت من بعدكِ أن الحنين ليس مجرد شعور، بل معركة يومية يخوضها القلب ضد الذكريات. وتعلمت أن أقسى أنواع الوحدة هي أن يفتقد الإنسان شخصًا كان يومًا كل عالمه.

أيتها الغريبة…

إن مررتِ يومًا من هنا، ستجدين أن الأشياء تغيرت كثيرًا، إلا ذلك القلب الذي أحبكِ بصدق. ما زال يحتفظ ببعض الأمل، رغم كل الخيبات، وما زال يدعو لكِ بالسعادة، رغم كل الألم.

أما أنا، فسأبقى أكتب عنكِ كما يكتب المسافر عن وطنٍ فقده، وكما يكتب البحر عن موجةٍ لم تعد. سأبقى أردد اسمكِ في صمت الليل، وأخبئ حزني بين السطور، حتى يأتي يوم تصبحين فيه مجرد ذكرى بعيدة.

وحتى ذلك الحين…

ستظلين بالنسبة لي، أيتها الغريبة، أجمل حزنٍ مرَّ في حياتي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
mohamed gadalla تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-