أجراس الماض الجميل
أجراس الماضي
يخطئ من يظن أن الحنين هو اشتياق مباشر للأشخاص أو الأماكن أو الأصوات ذاتها. فالإنسان، حين يعود بذاكرته إلى الماضي، لا يعود لان الماضي كان أجمل بالضرورة، بل لأنه كان أخفّ. أخفّ على القلب، أقل ازدحامًا بالأسئلة، أقل فى المسئوليات وأبعد عن ثقل الوعي الذي يفرضه النضج وتراكم التجربة.
نحن لا نحب الماضي لأنه كامل، بل لأننا لم نكن نراه كاملًا ولا ناقصًا؛ كنا نعيشه فقط، دون أن نضعه تحت مجهر التقييم والمقارنة.
الذاكرة البشرية فى جانب منها هي أرشيف للمشاعر لا سجل الوقائع فالذاكرة البشرية فى جانبها العاطفي لا تعمل كآلة تصوير تحفظ الأحداث كما وقعت، بل كفنان يعيد رسمها وفق الإحساس المرتبط بها. فهي لا تتذكر “ما حدث” بقدر ما تتذكر “كيف شعرنا ونحن نعيشه”. ولهذا تتحول أحداث عادية جدًا مثل جلسة عابرة، نزهة بسيطة، أغنية قديمة إلى لحظات ثمينة مع مرور الزمن.
ليست لعظمتها في ذاتها، بل في أنها ارتبطت بزمن كانت فيه النفس أكثر بساطة، وأكثر قابلية للفرح دون شروط أو حسابات.
حب المراهقة كمثال هو في حقيقته حنين إلى الذات لا إلى الآخرفحين يحنّ الإنسان إلى قصة حب قديمة من أيام المراهقة، يظن في البداية أنه يشتاق إلى شخص بعينه. لكنه إن صادف هذا الشخص بعد سنوات، يكتشف مفارقة لافتة:
لا شيء يتحرك داخله.لا شوق، ولا رجفة، ولا أثر.
هنا تتضح الحقيقة بهدوء: ذلك الحب لم يكن متعلقًا بالآخر، بل بالمرحلة. لم يكن تعلقًا بالشخص، بل بالذات وهي تكتشف مشاعرها للمرة الأولى. كان القلب آنذاك بلا خبرة في الخسارة، بلا خوف من الفقد، بلا وعي بثمن العاطفة. كان يحب كما يتنفس، دون دفاعات.
ولهذا لا يعود الإحساس عند اللقاء المتأخر، لأن الشخص تغيّر، والأهم: لأننا نحن تغيّرنا.
ينطبق المعنى ذاته على شخصٍ نضج واستقام، وتوقف عن سماع الأغاني لقناعة دينية أو فكرية، لكنه يجد نفسه أحيانًا يعيد تشغيل أغنية قديمة من أيام شبابه. ليس لأنها جميلة الآن، ولا لأنه يحنّ إلى المطرب أو الكلمات، بل لأنها ارتبطت بزمن سعيد، بحالة نفسية لم تعد موجودة.
الأغنية هنا ليست غاية، بل مفتاح ذاكرة. تمامًا كرائحة تعيدك إلى طفولتك، أو شارع قديم يوقظ صورًا كنت تظنها اندثرت. الذاكرة العاطفية لا تناقش القناعات ولا تحاكم الاختيارات؛ هي فقط تشير إلى مكان شعرت فيه بالأمان يومًا ما وربما يستغفر هذا الشخص الله سبحانه وتعالى مرات عديدة بعد سماعه تلك الاغنية .
ولكن النضج الديني لا يعني محو الذاكرة، ولا قتل النسخة القديمة من الإنسان، ولا الادعاء بأن الماضي لم يكن موجودًا. فالإنسان لا يُحاسَب على خاطر يمرّ، ولا على ذكرى تطرق باب القلب فجأة، بل على ما يختاره بإرادته ويستقر عليه سلوكه.
وهنا يثور التساؤل هل الحنين هروب من الواقع؟
الاجابة هنا هي نعم، أحيانًا يكون كذلك.
لكن ليس كل هروب ضعفًا، ولا كل عودة للماضي إنكارًا للحاضر.
حين يثقل الواقع بالمسؤوليات والضغوط، يبحث الإنسان عن فسحة يتنفس فيها. والذاكرة، بطبيعتها المنتقاة واللطيفة، تمنحه هذه الفسحة مؤقتًا فهنا يمكن اعتبارها كأستراحة محارب وهذا لا ضرر منه اطلاقا بل هي ظاهرة صحية إن صح التعبير ، ولكن الخطرلا يكمن في زيارة الماضي ، بل في الإقامة فيه .
عندما يتحول الحنين إلى رفض دائم للحاضر، أو ازدراء للواقع وإنكار له ، أو تعلق مرضي بما انتهى، يصبح عبئًا لا عزاءً. أما حين يكون وقفة عابرة، تذكّر الإنسان بلحظات دافئة وسعيدة مرت به فهي هنا رسالة لطمئنة النفس لا إدانة لها .
الفرق واضح بين من يعيش في الماضي ويطارده، وبين من يمرّ به كذكرى ثم يمضي. الأول أسير للماضي ، والثاني إنسان متزن يدرك طبيعة واقعه تماما .
لماذا يفقد الماضي سحره إذا لاحقناه؟
لأن الحنين يعيش على الندرة. وحين نحاول استنساخ الماضي أو الإقامة فيه، نكتشف الحقيقة المؤلمة: الإحساس لا يعود. المرحلة انتهت، والنسخة القديمة منّا لم تعد موجودة، وما كان جميلًا لأنه عابر، يصبح باهتًا حين نطارده.
الحنين للماضي كمرآة لا كوجهة في جوهره، الحنين مرآة لا طريقًا يعكس لنا ما نفتقده في الحاضرالبساطة، الصدق، الحضور، الفرح غير المشروط. وحين نفهم الرسالة، لا نحتاج إلى التعلق بالصورة.
فى حقيقة الامر لسنا أوفياء للأشخاص، ولا للأماكن، ولا للأغاني ولا للاحداث الماضية انما نحن أوفياء للأعمار التي عشناها، وللنسخ القديمة من أنفسنا قبل أن تتراكم عليها المسؤوليات والخيبات ، والنضج الحقيقي لا يكون بإنكار الحنين ولا بالاستسلام له، بل بفهمه، وشكر الماضي، ثم العودة لبناء حاضرٍ يستحق يومًا ما أن نشتاق إليه .