المصريون في عشرينيات القرن العشرين: كيف كانوا يتحدثون؟


كانت عشرينيات القرن الماضي في مصر مرحلة انتقالية كبرى سياسيًا واجتماعيًا ولغويًا. بعد ثورة 1919، وفي ظل الاحتلال البريطاني وبروز الحركة الوطنية بقيادة سعد زغلول، كانت مصر تعيش حالة من اليقظة الفكرية والتمدّن المتسارع. وفي قلب هذا التحول، كانت اللغة مرآة دقيقة تعكس المجتمع بكل طبقاته وتناقضاته.
فكيف كان يتحدث المصريون في عام 1920؟
وهل كانت لغتهم تختلف كثيرًا عن لهجتنا اليوم؟
أولًا: العامية المصرية – لغة الحياة اليومية



4
في الشوارع، المقاهي، الأسواق، والمنازل، كانت العامية المصرية هي لغة التواصل الأساسية. وهي لهجة تطورت عبر قرون طويلة منذ الفتح العربي، وتأثرت بالعصرين المملوكي والعثماني، ثم بالاحتكاك الأوروبي في القرن التاسع عشر.
ملامح العامية عام 1920:
نفس البنية الأساسية المستخدمة اليوم.
نفس الضمائر (أنا، إنت، هو، إحنا).
نفس أدوات النفي (ما...ش).
نفس أدوات الاستفهام (ليه؟ إمتى؟ فين؟).
لكن الفروق كانت في:
النبرة: أهدأ وأبطأ قليلًا.
المفردات: حضور أقوى لكلمات عثمانية وتركية.
الأسلوب: جمل أطول وأقل اختصارًا من العامية المعاصرة.
أمثلة لكلمات شائعة آنذاك:
أفندم
أوده (غرفة)
جزمة
طربوش
حضرة
كانت هذه الكلمات طبيعية في الحديث اليومي، ولا تحمل أي طابع رسمي كما قد يبدو لنا اليوم.
ثانيًا: الفصحى – لغة الصحافة والسياسة والتعليم



مع صعود الحركة الوطنية وازدهار الصحافة، أصبحت العربية الفصحى أداة التعبير السياسي والفكري.
صحف مثل جريدة الأهرام كانت تُكتب بلغة فصحى رصينة، متأثرة بأساليب القرن التاسع عشر، وخصوصًا بمدرسة الإصلاح اللغوي المرتبطة برواد النهضة.
الخطب السياسية، خاصة خطب سعد زغلول، كانت تُلقى بالفصحى المبسطة حتى تصل إلى الجماهير. وكان هذا المزج بين الفصحى المفهومة والعامية في التوضيح أحد أسباب تأثير الخطاب الوطني.
في المدارس، كانت الفصحى لغة التدريس، خاصة في المواد الأدبية والدينية. أما العلوم، فكانت أحيانًا تُدرَّس بالفرنسية أو الإنجليزية في المدارس الأجنبية.
ثالثًا: تأثير الطبقات الاجتماعية على اللغة



4
1. الطبقة الشعبية
العمال، الفلاحون، الحرفيون، وسكان الأحياء الشعبية كانوا يتحدثون عامية خالصة تقريبًا، قليلة التأثر باللغات الأوروبية، لكنها مليئة بمفردات تركية قديمة.
2. الطبقة الوسطى الصاعدة
موظفو الحكومة، المدرسون، طلبة الجامعة، والمحامون — كانوا يمزجون بين العامية والفصحى في الحديث، خاصة في النقاشات الفكرية والسياسية.
3. الطبقة الأرستقراطية
أبناء الباشوات والعائلات الثرية، خاصة في القاهرة والإسكندرية، كانوا يتقنون الفرنسية أحيانًا أكثر من العربية الفصحى.
كان من الطبيعي أن تسمع في حديثهم كلمات مثل:
بونجور
مرسي
صالون
كومبلي
وكانت المدارس الفرنسية والإيطالية منتشرة في الإسكندرية تحديدًا.
رابعًا: الريف والصعيد
في الريف المصري، كانت اللهجة أكثر محافظة وأقرب إلى العربية القديمة من لهجة المدن.
كثير من التراكيب التي اندثرت في القاهرة كانت لا تزال حية في الصعيد والدلتا.
كما أن تأثير اللغات الأجنبية كان أقل بكثير في القرى مقارنة بالمدن الساحلية الكبرى.
خامسًا: المسرح والغناء كمرآة لغوية
المسرح والغناء في عشرينيات القرن العشرين يعكسان بوضوح لغة الناس آنذاك.
أعمال رواد المسرح مثل نجيب الريحاني كانت تعتمد على العامية القاهرية، مع سخرية من لغة الباشوات المختلطة بالفرنسية.
كذلك الأغاني المبكرة لرواد الطرب كانت تُكتب بالعامية الرصينة، أقرب إلى الزجل، لكنها تختلف قليلًا عن عامية اليوم في اختيار المفردات.
سادسًا: هل يمكن لمصري اليوم أن يفهم مصري 1920 بسهولة؟
الإجابة المختصرة: نعم، بنسبة كبيرة جدًا.
لو استمعنا إلى تسجيلات صوتية من عشرينيات القرن الماضي، سنجد:
نفس النظام اللغوي.
نفس طريقة تركيب الجملة.
اختلافات طفيفة في النبرة والمفردات.
حضور كلمات اختفت لاحقًا بعد ثورة 1952 وتراجع النفوذ العثماني.
التحول الأكبر لم يكن في القواعد، بل في المفردات المرتبطة بالسلطة والطبقات.
خلاصة تاريخية تحليلية
لغة المصريين في عام 1920 لم تكن غريبة عنا، بل هي الجذر المباشر للعامية التي نستخدمها اليوم.
الاختلافات كانت انعكاسًا للظروف السياسية والاجتماعية:
إرث عثماني في المفردات.
نفوذ أوروبي في الطبقات العليا.
فصحى قوية في الصحافة والتعليم.
عامية مستقرة في الشارع.
إن دراسة لغة المصريين في عشرينيات القرن العشرين تكشف لنا أن المجتمع كان يعيش ازدواجية لغوية متوازنة: فصحى للوعي القومي والكتابة، وعامية للحياة اليومية.
ولو أردت، أستطيع أن أكتب لك مشهدًا روائيًا كاملًا يدور في مقهى قاهري عام 1920 بلغة واقعية دقيقة تعكس روح تلك المرحلة التاريخية.