كيف تحافظ على ضميرك وسط الظلم؟ المسؤولية الأخلاقية للفرد في مجتمع غير عادل
كيف تحافظ على ضميرك وسط الظلم؟
المسؤولية الأخلاقية للفرد في مجتمع غير عادل
الكلمات المفتاحية الرئيسية:
المسؤولية الأخلاقية - الفرد - المجتمع غير العادل - الظلم - العدالة - الحرية الفردية - الوعي الأخلاقي - الضمير - الاختيار الأخلاقي - الصمت أمام الظلم - المسؤولية الفردية - السلوك الأخلاقي - التكيف مع الظلم - المشاركة في الظلم -التفكير النقدي - الموقف الأخلاقي - القيم الإنسانية - الفعل الأخلاقي - الامتثال الاجتماعي - المحاسبة الأخلاقية - المجتمع المعاصر - النظام الاجتماعي - الأعراف الاجتماعية - السلطة - الخطاب العام - التطبيع مع الظلم - الوعي الجمعي - الثقافة السائدة - الصمت الاجتماعي - التواطؤ غير المباشر.

مقدمة:
حين يصبح الصمت موقفًا أخلاقيًا
في المجتمعات التي يختل فيها ميزان العدالة، لا يعود السؤال الأخلاقي سؤالًا نظريًا معزولًا عن الواقع، بل يتحول إلى عبء يومي يثقل ضمير الفرد في أبسط تفاصيل حياته. لا يسأل الإنسان هنا: «كيف أكون فاضلًا؟» بقدر ما يسأل: «كيف أعيش دون أن أشارك، ولو بالصمت، في هذا الخلل؟». حين يصبح الظلم جزءًا من البنية العامة، لا حادثة استثنائية، تتغير طبيعة المسؤولية الأخلاقية ذاتها، وتصبح أكثر غموضًا وأقل يقينًا.
في هذا السياق، لا يظهر الشر غالبًا في صورة صادمة أو عنيفة، بل في صورة عادية، إدارية، روتينية. توقيع ورقة، تنفيذ تعليمات، تبرير قرار، أو حتى تجاهل مقصود. هنا لا يشعر الفرد بأنه يرتكب خطأ أخلاقيًا، بل يظن أنه «يتصرف بعقلانية». غير أن هذا النوع من السلوك اليومي هو ما يمنح الظلم استمراريته.
سقراط، في دفاعه الشهير، لم يعتبر أن المشكلة الأخلاقية تكمن فقط في الحكم الجائر، بل في أن يفسد الإنسان نفسه عبر التخلي عن التفكير والضمير. من هذا المنظور، لا تصبح الأخلاق مشروع تغيير سياسي مباشر، بل مقاومة داخلية لفقدان المعنى. الصمت هنا ليس فراغًا، بل موقفًا له دلالة أخلاقية، سواء أدرك الفرد ذلك أم لا.
هذا المقال لا يبحث عن نماذج بطولية، ولا يدعو إلى تضحية رومانسية، بل يحاول فهم المسؤولية الأخلاقية للفرد كما تُعاش فعلًا: محدودة، مربكة، محاطة بالخوف، لكنها غير قابلة للإلغاء.
المحور الأول:
ما المقصود بمجتمع غير عادل؟
المجتمع غير العادل لا يُعرَّف فقط بدرجة القمع أو العنف، بل بطبيعة الآليات التي ينتج بها الظلم. هو المجتمع الذي يعمل وفق منظومة تبدو قانونية ومنظمة، لكنها تُفضي باستمرار إلى نتائج غير عادلة. القوانين موجودة، لكن تطبيقها انتقائي. الفرص معلنة، لكن الوصول إليها غير متكافئ. الخطاب الأخلاقي حاضر، لكن الممارسة تناقضه.
في مثل هذا المجتمع، لا يُنظر إلى الظلم بوصفه خللًا يجب تصحيحه، بل بوصفه «واقعًا». تُفسَّر المعاناة الفردية باعتبارها فشلًا شخصيًا، لا نتيجة بنية اجتماعية مختلة. ويُعاد تعريف النجاح ليصبح دليلًا أخلاقيًا، حتى لو كان قائمًا على استغلال أو تواطؤ.
مع الوقت، يتحول الظلم من قضية أخلاقية إلى حالة طبيعية. يتعلم الأفراد كيف يتكيفون، لا كيف يسألون. وهنا تبرز خطورة ما أشار إليه نيتشه حين تحدث عن «أخلاق القطيع»، حيث لا تُفرض القيم بالقوة، بل بالتطبيع. ما هو سائد يصبح صحيحًا، وما هو مختلف يُصوَّر بوصفه سذاجة أو تهديدًا للاستقرار.
بهذا المعنى، المجتمع غير العادل ليس فقط بنية سياسية أو اقتصادية، بل حالة ذهنية عامة، يتواطأ فيها الوعي الجمعي مع الخلل القائم دون حاجة إلى قمع مباشر.
المحور الثاني:
المسؤولية الأخلاقية بين الفرد والنظام
السؤال المركزي هنا: هل يمكن تحميل الفرد مسؤولية أخلاقية داخل نظام ظالم؟
الإجابة الفلسفية لا تسمح لا بالإدانة المطلقة ولا بالإعفاء الكامل. فحنّة آرنت، في تحليلها لمفهوم «تفاهة الشر»، كشفت أن أخطر أشكال الظلم لا تصدر عن كراهية واعية، بل عن غياب التفكير. الشر، في هذه الحالة، لا يُرتكب بدافع شرير، بل بدافع الامتثال.
في المجتمعات غير العادلة، يشارك كثير من الأفراد في إنتاج الظلم دون أن يشعروا بذلك. الموظف الذي ينفذ تعليمات جائرة، المواطن الذي يكرر خطابًا مبررًا، الفرد الذي يفضّل السلامة على السؤال. هؤلاء لا يرون أنفسهم فاعلين أخلاقيًا، بل مجرد «أشخاص عاديين».
كانط، من جهة أخرى، يقدّم معيارًا مختلفًا للمسؤولية. الأخلاق عنده لا تُقاس بالنتائج، بل بمبدأ الفعل. السؤال الأخلاقي ليس: «هل سينجح موقفي؟» بل: «هل يمكن أن يصبح هذا الفعل قاعدة عامة؟». من هذا المنظور، لا يُبرَّر التواطؤ حتى لو بدا عقلانيًا، لأن تعميمه يعني انهيار الأساس الأخلاقي للمجتمع.
المسؤولية هنا ليست في تغيير النظام، بل في الحفاظ على القدرة على التفكير الأخلاقي داخله.
المحور الثالث:
حدود المسؤولية الفردية
لكن تحويل الفرد إلى محور الإدانة الأخلاقية وحده هو تبسيط قاسٍ.
الإنسان كائن هش، تحكمه الحاجة، والخوف، والروابط الاجتماعية. علم النفس الاجتماعي يوضح كيف يؤدي الضغط الجمعي والخوف من الإقصاء والعقاب إلى تقليص قدرة الفرد على اتخاذ مواقف مخالِفة، حتى حين يكون واعيًا بخللها الأخلاقي.
هنا يصبح التمييز ضروريًا بين العجز والتواطؤ.
العجز يعني إدراك الظلم مع غياب القدرة الواقعية على مواجهته. أما التواطؤ فهو قبول الظلم داخليًا، وتبريره، والمساهمة في إعادة إنتاجه. سارتر يذكّرنا بأن الإكراه لا يُلغي المسؤولية بالكامل؛ الإنسان قد لا يختار الظروف، لكنه يختار موقفه منها.
المسؤولية الأخلاقية لا تبدأ من الفعل العلني، بل من رفض التكيف النفسي مع الظلم، ورفض تحويله إلى أمر «طبيعي».
المحور الرابع:
أشكال المسؤولية الأخلاقية الممكنة
المسؤولية الأخلاقية لا تتجلى دائمًا في أفعال كبرى، بل غالبًا في تفاصيل صغيرة، لكنها متكررة. الامتناع عن المشاركة في ممارسات ظالمة، حتى حين تكون شائعة. رفض ترديد الخطابات التي تبرر الإقصاء أو التمييز. الحفاظ على لغة إنسانية في واقع يسعى إلى تجريد الآخرين من إنسانيتهم.
هذه الأفعال قد تبدو غير مؤثرة، لكنها تحمي الفرد من التحول إلى أداة. وهي تشكّل ما يمكن تسميته «مقاومة أخلاقية صامتة»، لا تهدف إلى إسقاط النظام، بل إلى كسر منطقه داخل الذات.
الشهادة بالكلمة، حين تكون ممكنة، تمثل شكلًا آخر من أشكال المسؤولية، لا بوصفها استعراضًا أخلاقيًا، بل بوصفها رفضًا للنسيان.
المحور الخامس:
الأخلاق خارج منطق البطولة
ربط الأخلاق بالبطولة يجعلها مستحيلة على أغلب البشر.
حين يُقدَّم الفعل الأخلاقي بوصفه تضحية مطلقة، يتحول إلى معيار يعفي الجميع من المحاولة. لكن الأخلاق، كما تظهر في التجربة الإنسانية، ليست حدثًا استثنائيًا، بل ممارسة يومية.
سقراط لم يكن بطلًا رومانسيًا، وكانط لم يطالب بالتضحية، وآرنت لم تمجد العصيان، بل التفكير. الأخلاق هنا ليست وعدًا بالعدل الكامل، بل التزامًا بعدم تعظيم الظلم.
في مجتمع غير عادل، قد يكون السعي إلى «الخير الممكن» أكثر صدقًا من انتظار «العدل الكامل».
المحور السادس:
المسؤولية الأخلاقية في العصر الرقمي
في العصر الرقمي، لم تعد المسؤولية الأخلاقية محصورة في الفعل المباشر. المشاركة، الإعجاب، السخرية، الصمت، كلها أفعال لها أثر. المنصات الرقمية لا تنقل الواقع فقط، بل تعيد تشكيله، أحيانًا عبر التبسيط، وأحيانًا عبر الاستهلاك السريع للمآسي.
المسؤولية هنا لا تعني التفاعل الدائم، بل الوعي بالسياق. متى يكون الصمت حماية؟ ومتى يكون تواطؤًا؟ متى تكون المشاركة تضامنًا؟ ومتى تكون تفريغًا أخلاقيًا زائفًا؟
الأخلاق الرقمية ليست في كثرة المواقف، بل في اتساقها وصدقها.
خاتمة:
المسؤولية بوصفها وعيًا لا خلاصًا
المسؤولية الأخلاقية للفرد في مجتمع غير عادل ليست مشروع خلاص، ولا وعدًا بتغيير شامل. إنها وعي دائم بالحدود، وبالمساحة الضيقة الممكنة للفعل. قد لا يستطيع الفرد تغيير النظام، لكنه يستطيع ألا يصبح جزءًا أعمى منه. وقد لا ينتصر للعدل، لكنه يستطيع ألا يبرر الظلم.
من سقراط إلى حنّة آرنت، ومن كانط إلى جان بول سارتر، يتكرر خيط فلسفي واحد رغم اختلاف العصور والمناهج: الخطر الحقيقي لا يكمن في العيش داخل عالم غير عادل، بل في التكيف معه دون تفكير. فقد رأى سقراط أن الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش، معتبرًا أن التنازل عن التفكير النقدي خيانة للنفس قبل أن يكون خضوعًا للسلطة. أما كانط، فشدّد على أن المسؤولية الأخلاقية لا تسقط بمجرد الامتثال للقانون أو الطاعة للأوامر، لأن الإنسان، بوصفه كائنًا عاقلًا، يظل مسؤولًا عن أفعاله حتى داخل نظام جائر. وفي الفلسفة الوجودية، ذهب سارتر إلى أن التكيف مع الظلم بحجة الضرورة أو الظروف ليس إلا هروبًا من الحرية، وشكلًا من إنكار المسؤولية الذاتية. بينما كشفت حنّة آرنت، في تحليلها لما سمّته «تفاهة الشر»، أن أخطر أشكال الظلم لا تصدر عن نوايا شريرة صريحة، بل عن أناس عاديين توقفوا عن التفكير، واكتفوا بالتكيّف والامتثال. وهكذا يصبح الظلم أكثر رسوخًا حين يتحول إلى أمر مألوف غير مُساءَل، وحين يفقد الفرد حسّ المساءلة الداخلية، فيتحول الصمت إلى مشاركة غير مباشرة في استمرار اللاعدالة.
إذن، الخطر الحقيقي ليس في العيش داخل عالم غير عادل، بل في التكيف معه دون تفكير.
وهنا، تحديدًا، تبدأ المسؤولية الأخلاقية الحقيقية.