الزواج بين الرغبة والمسؤولية

الزواج بين الرغبة والمسؤولية

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الزواج بين الرغبة والمسؤولية

 

كنتُ أتصفّح هذا العالم الافتراضي كعادتي، أتنقّل بين وجوهٍ وأفكارٍ ومقاطع لا تنتهي، حين صادفتُ مشهداً شعرتُ أنه يلخّص مأساتنا الحضارية المعاصرة في دقائق قليلة. فتى لم يكتمل نضجه البيولوجي ولا النفسي بعد، يقف أمام حشود رقمية ويصرخ بحماسة: "يسّروا الزواج!"، مستندًا إلى نص ديني يرفعه كدرع يحتمي به من مسؤولية التفكير والسؤال والوعي. لكن المأساة لم تكن في صرخته وحدها، بل في جوقة التصفيق التي ارتفعت خلفه، وكأننا جميعًا في سباق محموم لملء الكوكب بمزيد من الأرواح التائهة التي تبحث لاحقًا عمّن يرمم كسورها.

ما نسمّيه اليوم تيسيرًا للزواج، يبدو في كثير من الأحيان تيسيرًا للطلاق القادم لا محالة. نحن نحلّ مشكلة ظاهرية ونترك جذورها تتعفّن في العمق. فالمحاكم ليست ممتلئة لأن المهور كانت مرتفعة، بل لأن العقول كانت فارغة، والقلوب لم تُدرَّب على الصبر، والناس دخلوا الحياة الزوجية بعقول مراهقة وأحلام سينمائية لا تشبه الواقع بشيء. نحن نُزوّج الأجساد قبل أن نُربّي العقول، ونفتح بيوتًا لأشخاص لا يفرّقون بين الرغبة المؤقتة والقدرة المستمرة على تحمّل مسؤولية إنسان آخر.

هل جلس هذا الفتى مع نفسه يومًا وسأل: هل أنا قادر فعلًا على فهم الطرف الآخر؟ هل أفهم أن صمت المرأة أحيانًا ليس هدوءًا بل صراخٌ مكتوم؟ هل أعرف كيف أتعامل مع تقلباتها النفسية حين تضيق بها الدنيا؟ وهل أملك النضج الكافي لأفهم أن الحزن أحيانًا لا يحتاج حلولًا بل احتواءً فقط؟

هل يعرف أن الضحكة قد تخفي تعبًا، وأن البكاء قد لا يكون سببه حدثٌ واحد بل تراكم سنوات من الضغط؟ هل يمتلك أدوات الحوار حين تختلف الرؤى؟ أم أنه سيهرب إلى الصراخ، أو الصمت العقابي، أو المقارنة، أو العناد؟

الزواج ليس مجرّد سترٍ كما يُشاع في خطاباتٍ مبسّطة، بل هو أعقد اختبار نفسي يمكن أن يخوضه الإنسان. إنه امتحان يومي للصبر، وللقدرة على التنازل، وللاعتراف بالخطأ، ولتحمّل مسؤولية قراراتنا. قبل أن تطالب بتيسير الزواج، اسأل نفسك: هل قرأت يومًا عن هندسة العلاقات؟ هل تعرف كيف تُحلّ النزاعات دون كسر القلوب؟ هل تدرك أن الحب وحده لا يكفي ليستمر بيتٌ واحد؟

وهل تفكّر حقًا في الإنجاب أم أنك تراه مجرد خطوة تلقائية بعد الزواج؟ هل تدرك أن الطفل الذي ستنجبُه ليس وسيلة لملء فراغك الداخلي ولا ضمانًا لوحدتك في الشيخوخة؟ إنه كائن سيكبر يومًا، وقد يقف أمامك محاسبًا إيّاك على كل خوف زرعته فيه، وعلى كل عقدة نفسية ورّثتها له دون أن تشعر.

نحن ننجب أحيانًا لنملأ وحدتنا، ونربّي أبناءنا على الخوف ثم نسمّيه احترامًا، ونقمع أسئلتهم ونسمّي ذلك تربية أو التزامًا. نخاف من عقولهم الحرة، فنكسرها باسم الحماية، ثم نتساءل لاحقًا لماذا يكبرون مرتبكين، غاضبين، أو فارغين من الداخل.

قبل أن تكون عريسًا، عليك أن تكون إنسانًا متوازنًا نفسيًا. قبل أن تصبح أبًا، عليك أن تفهم نفسك أولًا، أن تواجه عقدك، أن تعترف بنقاط ضعفك، وأن تعالج جراحك بدل أن تورّثها للجيل القادم. فالأبوة والأمومة ليستا وظيفة بيولوجية، بل مسؤولية فكرية ونفسية وأخلاقية.

التيسير الحقيقي لا يكون فقط في تخفيض المهور أو تقليل التكاليف، بل في رفع مستوى الوعي. في تعليم الشباب معنى الشراكة، ومعنى الحوار، ومعنى الاحترام المتبادل. في تدريبهم على إدارة الغضب، وعلى الإصغاء، وعلى فهم الاختلاف بدل تحويله إلى معركة.

image about الزواج بين الرغبة والمسؤولية

لسنا بحاجة لمزيد من حفلات الزواج، بل لمزيد من الوعي قبلها. لسنا بحاجة لصور جميلة على وسائل التواصل، بل لبيوت مستقرة خلف الأبواب المغلقة. العالم لا يحتاج مزيدًا من المتزوجين، بل يحتاج مزيدًا من البشر القادرين على مواجهة أنفسهم قبل أن يواجهوا شريك حياة.

كفى استنساخًا للتعاسة عبر أجيال تتزوج هربًا من الوحدة لا استعدادًا للمسؤولية. من لا يفهم لماذا يريد الإنجاب، وكيف سيربّي، وعلى أي أساس سيبني روح إنسان جديد، فليتوقف قليلًا ويفكّر قبل أن يُقدم على خطوة تغيّر حياته وحياة غيره.

فبناء بيت حقيقي، متماسك، دافئ، أصعب آلاف المرات من بناء ناطحة سحاب. الأولى تحتاج مالًا ومهندسين، أما الثانية فتحتاج وعيًا ونضجًا وإنسانية وصبرًا طويلًا لا يُشترى ولا يُستعار، بل يُبنى داخل الإنسان قبل أن يُبنى في الحجر..

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Riad Ayadi تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

6

متابعهم

34

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.