السادية والماسوشية و تأثيرها
السادية والماسوشية
في السنوات الأخيرة، بدأت مفاهيم السادية والماسوشية تخرج من القواميس النفسية المغلقة إلى فضاء النقاش العام في العالم العربي، لا بوصفها ميولًا جنسية فحسب، بل كـ أنماط سلوكية وثقافية تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الخطاب السياسي والإعلامي. ما كان يُعدّ شذوذًا فرديًا أو اضطرابًا نفسيًا، صار عند كثيرين أسلوب حياة غير معلن، يمارَس ويُبرَّر ويُعاد إنتاجه باستمرار.
السادية، في معناها النفسي، هي التلذذ بإيذاء الآخر أو السيطرة عليه، بينما الماسوشية هي التلذذ بتلقي الألم أو الخضوع. لكن في السياق العربي المعاصر، لم تعد المسألة متعلقة بالألم الجسدي فقط، بل تحوّلت إلى ألم معنوي، نفسي، ورمزي. رب عمل يستمتع بإذلال موظفيه، مسؤول يقمع شعبه ثم يطالب بالولاء، إعلام يضخ الخوف والإحباط، وأفراد يقبلون كل ذلك بصمت، بل أحيانًا بتبرير أو دفاع.
في كثير من المجتمعات العربية، نشأ الفرد داخل منظومة تُطبع فيها الطاعة منذ الطفولة: الأسرة الصارمة، المدرسة القائمة على العقاب، الخطاب الديني أو الاجتماعي الذي يقدّس الخضوع ويجرّم السؤال. هنا تبدأ الماسوشية بالتكوّن؛ إذ يتعلّم الإنسان أن الألم طبيعي، وأن القسوة دليل حب، وأن القهر قدر لا يُناقش. ومع الزمن، لا يكتفي بتحمّل الألم، بل يتكيّف معه، وربما يدافع عنه، لأن التمرّد أصبح أكثر إيلامًا من الخضوع نفسه.
في المقابل، تولّد هذه البنية شخصيات سادية تجد في السلطة مهما كانت صغيرة فرصة للتنفيس. سائق يمارس عنفه على الطريق، موظف يعرقل معاملات الناس عمدًا، معلم يهين تلاميذه، أو حتى مستخدم على وسائل التواصل الاجتماعي يستمتع بالتنمر والتحقير. إنها سادية يومية، عادية،
مقنّعة بالقانون أو التقاليد أو “الحق”.

وسائل الإعلام لعبت دورًا محوريًا في ترسيخ هذا النمط. كثير من الخطابات الإعلامية تقوم على التخويف، الإذلال، جلد الذات، وتطبيع الفشل. يُقنع المواطن أن معاناته ضرورية، وأن صمته فضيلة، وأن أي مطالبة بالكرامة خيانة أو فوضى. هنا تتجلى الماسوشية الجماعية: شعب يتألم، لكنه يكرّر الرواية نفسها التي تبرر ألمه.
الأخطر أن هذه الديناميكية انتقلت إلى العلاقات الشخصية. علاقات عاطفية غير متوازنة تُقدَّم على أنها “حب”، حيث يسيطر طرف ويُهين، ويصبر الطرف الآخر باسم التضحية. صداقات تقوم على الاستغلال، وبيئات عمل تمجّد الإرهاق والإذلال بوصفهما نجاحًا. أصبح الألم معيار الجدية، ومن يطلب الراحة أو الاحترام يُتهم بالضعف.
لكن السؤال الجوهري: لماذا تُقبل هذه الأنماط؟
الجواب معقّد، لكنه يرتبط بالخوف، وغياب العدالة، وانعدام الأفق. حين يشعر الإنسان أن التغيير مستحيل، يتحوّل الألم إلى منطقة أمان. الماسوشية هنا ليست حبًا في العذاب، بل محاولة للبقاء. أما السادية، فهي وهم القوة في عالم يشعر فيه كثيرون بالعجز.
مع ذلك، لا يمكن القول إن العالم العربي محكوم بهذا المصير. هناك وعي متزايد، خاصة لدى الأجيال الشابة، التي بدأت تسمّي الأشياء بأسمائها: هذا عنف، هذا قمع، هذه علاقة سامة. كسر الصمت هو الخطوة الأولى للخروج من هذه الحلقة. الاعتراف بأن القسوة ليست قدرًا، وأن الخضوع ليس فضيلة، هو بداية التحرر من السادية والماسوشية كأسلوب حياة.
في النهاية، ليست المشكلة في المفاهيم النفسية بحد ذاتها، بل في تطبيع الألم وجعله جزءًا من الهوية اليومية. المجتمعات لا تُقاس بقدرتها على التحمل، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان. وحين يتوقف الناس عن تبرير القسوة، سيفقد السادي جمهوره، وسيتعلّم الماسوشي أن الحياة يمكن أن تُعاش بلا ألم دائم.
يجب علينا أن نقف في وجه الطغيان خاصة إن كان بالغصب.