وهم الإنتاجية: هل نعمل أكثر أم نظهر أننا نعمل؟هل نحن منتجون أم مجرد مشغولين؟
وهم الإنتاجية: هل نعمل أكثر أم نظهر أننا نعمل؟هل نحن منتجون أم مجرد مشغولين؟
الكلمات المفتاحية الرئيسية:
وهم الإنتاجية - الإنتاجية الحديثة - ثقافة العمل - الانشغال الدائم - العمل في العصر الرقمي - قياس الإنتاجية - قيمة العمل - الأداء الظاهري - العمل الحقيقي - الكفاءة - الإنجاز - ضغط العمل - الرأسمالية المعاصرة - تسليع الوقت - أخلاقيات العمل - الثقافة الرقمية - منصات العمل - وسائل التواصل الاجتماعي - اقتصاد الانتباه - ثقافة الإنجاز - العمل عن بُعد - قياس الأداء الرقمي - إظهار الانشغال - الهوية المهنية الرقمية.

مقدمة:
حين يصبح الانشغال قيمة بحدّ ذاته
لم يعد العمل في عالمنا المعاصر مجرّد وسيلة للعيش أو لتحقيق غاية واضحة، بل تحوّل إلى حالة دائمة من الانشغال. فالفرد اليوم لا يُقاس بقدر ما يُنجز فقط، بل بمدى حضوره المستمر في دوّامة الفعل. وكأن التوقف لم يعد خيارًا مشروعًا، بل علامة على التقصير أو الفشل.
في هذا السياق، لم تعد الإنتاجية مرتبطة بالنتيجة، بل بالإيقاع. المهم ألا نتوقف، ألا نختفي، ألا نبدو خارج الحركة. وهكذا، يظهر وهم خفي: أننا نعمل أكثر، بينما نحن في الواقع نُظهر أننا نعمل.

المحور الأول:
من أخلاق العمل إلى هوس الأداء
في جذوره التاريخية، ارتبط العمل – كما بيّن ماكس فيبر – بأخلاق تعتبر الجهد فضيلة، والانضباط قيمة أخلاقية. غير أن هذه الأخلاق، في صورتها المعاصرة، انفصلت عن غاياتها. فلم يعد العمل طريقًا لتحقيق معنى، بل تحوّل إلى معيار أخلاقي قائم بذاته.
اليوم، لا يُسأل الفرد عمّا ينجزه بقدر ما يُسأل عن مدى انشغاله. وهنا، تتآكل قيمة العمل بوصفه تجربة إنسانية، ليحلّ محلها هوس الأداء المستمر. فالنجاح لم يعد ثمرة مسار، بل إثباتًا دائمًا على أنك «تفعل شيئًا».

المحور الثاني:
العقل الأداتي وسقوط سؤال المعنى
يُفسَّر هذا التحوّل، فلسفيًا، بوصفه تجلّيًا لما سمّاه هوركهايمر وأدورنو بـ«العقل الأداتي»: عقل يقيس كل شيء بمدى نفعه وسرعته، دون أن يسأل عن الغاية. فالعمل يُقيَّم بكمّيته، لا بجدواه، وبسرعته، لا بعمقه.
في ظل هذا العقل، يصبح السؤال «لماذا نعمل؟» سؤالًا غير مرغوب فيه، وربما مزعجًا. إذ يكفي أن نعمل، وأن نواصل العمل، حتى لو تآكل المعنى في الطريق. وهكذا، يتحوّل الإنسان إلى أداة داخل نظام يُكافئ الاستمرار لا الفهم.

المحور الثالث:
الزمن كعدوّ يجب استثماره
يرتبط وهم الإنتاجية بعلاقة مشوّهة مع الزمن. فالوقت لم يعد مجالًا للتجربة، بل موردًا يجب استغلاله بالكامل. كل دقيقة غير منتجة تُعد خسارة، وكل لحظة صمت تُقرأ بوصفها تعطيلًا للتقدّم.
هنا يتقاطع الواقع المعاصر مع نقد هنري برغسون للزمن المقاس في مقابل الزمن المعيش. ففي عالم الإنتاجية، يُقصى الزمن المعيش – زمن الإحساس والتجربة – لصالح زمن الجداول والمؤشرات. والنتيجة شعور دائم بأن الوقت يمرّ سريعًا، وأننا رغم كل هذا الانشغال، لم نصل بعد.

المحور الرابع:
الذات كمشروع تحت المراقبة
لم يعد الضغط خارجيًا فقط، بل داخليًا أيضًا. فالإنسان المعاصر، كما حلّل ميشيل فوكو، بات يراقب نفسه بنفسه. يحاسب ذاته على كل لحظة راحة، ويشعر بالذنب حيال كل توقف غير مبرَّر.
وهكذا، تتحوّل الذات إلى مشروع دائم التحسين: مهارات تُطوَّر، وقت يُدار، أداء يُقاس. لا لأن هناك سلطة تُجبر الفرد، بل لأن معيار الإنتاجية استُدمج في الوعي ذاته. فيصبح الإنسان في آنٍ واحد العامل والمراقِب والسجين.

المحور الخامس:
المنصات الرقمية وتحويل العمل إلى عرض
تُكثّف المنصات الرقمية هذا المنطق عبر تحويل العمل إلى أداء مرئي. فالإنجاز لا يكفي، بل يجب توثيقه، عرضه، مشاركته. وكما تنبّه غي ديبور، نعيش في مجتمع لا تُعاش فيه التجربة بقدر ما تُعرَض.
في هذا السياق، لا نعمل فقط، بل نُظهر أننا نعمل. تصبح الإنتاجية صورة، والانشغال محتوى، والعمل جزءًا من اقتصاد الانتباه. وهكذا، يُقاس الجهد لا بعمقه، بل بقدرته على الظهور.

المحور السادس:
الإرهاق بوصفه علامة نجاح
في مفارقة لافتة، لم يعد الإرهاق مؤشرًا على خلل، بل على الالتزام. فالتعب يُقرأ بوصفه دليلاً على الجدية، والاحتراق النفسي يُعاد تأويله كعلامة تفانٍ. وكما يشير بيونغ-تشول هان، لا نُرهَق لأننا مُجبَرون، بل لأننا نُطالَب بالإنجاز الدائم.
هنا، يفقد الفعل أفقه. نعمل بلا نهاية، دون أن نعرف إلى أين. لا لأن الهدف بعيد، بل لأن الهدف غائم. وهكذا، يتحوّل العمل من وسيلة للمعنى إلى مصدر للفراغ.

خاتمة:
في استعادة حق التوقف
لا يدعو نقد وهم الإنتاجية إلى رفض العمل، بل إلى إعادة التفكير في علاقته بالمعنى. فالفلسفات القديمة، من أرسطو إلى الرواقيين، لم تمجّد الانشغال الدائم، بل الحياة المتوازنة التي تفسح مجالًا للتأمل.
في عالم يخلط بين الحركة والقيمة، قد يكون التوقف فعلًا فلسفيًا بامتياز. لا بوصفه انسحابًا، بل بوصفه استعادة للسؤال المنسي:
هل نعمل لأن لذلك معنى، أم لأن التوقف بات مستحيلًا؟