التربية على الطاعة أم التربية على الفهم؟

التربية على الطاعة أم التربية على الفهم؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

التربية على الطاعة أم التربية على الفهم؟

الكلمات المفتاحية الرئيسية:

التربية - الطاعة - الفهم - التفكير النقدي - المسؤولية - الضمير - السلطة - النمو النفسي - الضبط الذاتي - اختيار واعٍ - الامتثال - الانضباط - التوجيه التربوي - الاختيار الحر - الحوار التربوي - الوعي الذاتي - النضج الأخلاقي - القيادة التربوية - الاحترام - المبادرة - القيم الأساسية - التوازن الشخصي  - شخصية متوازنة - الثقافة الرقمية - العالم المعاصر - المجتمع الحديث - المعلومات المفتوحة - التحولات الثقافية - السلطة الرقمية - التربية في العصر الرقمي - التفاعل الاجتماعي - السياق الاجتماعي - التغيرات المجتمعية.

image about التربية على الطاعة أم التربية على الفهم؟

مقدمة:

في كل بيتٍ ومدرسةٍ ومؤسسةٍ تربوية، يتكرر سؤالٌ قد لا يُطرح صراحةً، لكنه يحكم كثيرًا من الممارسات اليومية: هل نريد أبناءً مطيعين أم أفرادًا واعين؟
هل الغاية من التربية أن نُنتج سلوكًا منضبطًا يلتزم بالأوامر، أم أن نُنشئ عقلًا قادرًا على الفهم والحكم والاختيار؟

لطالما اعتُبرت الطاعة فضيلةً مركزية في البناء الأخلاقي والاجتماعي، لأنها تحفظ النظام وتُجنّب الفوضى وتُرسّخ الاحترام. غير أن التحولات الثقافية والمعرفية المعاصرة أعادت فتح النقاش من زاوية أكثر عمقًا: هل تكفي الطاعة وحدها لبناء شخصية متوازنة؟ أم أن الفهم هو الشرط الضروري لنضج الضمير واستقلال الإرادة؟

الإشكال هنا لا يتعلق بمفاضلة سطحية بين نموذجين متقابلين، بل بسؤال أعمق يمسّ طبيعة العلاقة بين السلطة والتربية، بين الانضباط والوعي، بين الامتثال القسري والامتثال الحر.

المحور الأول: 

ماذا نعني بالطاعة؟ وماذا نعني بالفهم؟

الطاعة، في معناها التربوي، هي امتثال الفرد لتوجيه صادر عن سلطة: أبوية، تعليمية، دينية، أو اجتماعية. وهي قد تكون طاعةً قسرية قائمة على الخوف من العقاب، أو طاعةً قائمة على الثقة والاحترام.

أما الفهم، فليس مجرد معرفة السبب الظاهري للأمر، بل إدراك أسبابه ومقاصده ونتائجه، والقدرة على تقييمه ضمن منظومة قيمية أوسع. الفهم يرتبط بالاختيار، والطاعة غالبًا ما ترتبط بالامتثال.

غير أن التفريق بينهما ليس لإقامة خصومة، بل لفهم طبيعة كل منهما. فالطفل في مراحله الأولى لا يملك بعدُ أدوات الفهم الكافي، ومن ثم تكون الطاعة ضرورة تنظيمية. لكن السؤال: هل تبقى الطاعة غايةً بحد ذاتها، أم أنها مرحلة تمهيدية نحو الفهم؟

المحور الثاني: 

التربية على الطاعة — بين الوظيفة التنظيمية ومخاطر التمركز حول السلطة

لا يمكن إنكار أن للطاعة وظيفة تربوية واضحة، خصوصًا في المراحل المبكرة. فهي:

- تبني الانضباط السلوكي.

- تحمي الطفل من المخاطر قبل اكتمال نضجه العقلي.

- تسهّل نقل القيم الأساسية.

- تحفظ استقرار البنية الأسرية.

من منظور علم النفس النمائي، تشير دراسات التطور الأخلاقي إلى أن الطفل في بداياته يربط الصواب بالعقاب، لا بالمبدأ. أي أن الامتثال ينبع من الخوف، لا من الاقتناع. في هذه المرحلة، تكون الطاعة أداة تنظيم ضرورية.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الطاعة من وسيلة إلى غاية. فالتربية التي تتمحور حول الامتثال غير المشروط قد تُنتج شخصية تعتمد على المرجع الخارجي في تقرير الصواب والخطأ. وهنا يضعف الضمير الداخلي، ويتضخم حضور السلطة.

من منظور نقدي، يُمكن القول إن الطاعة المفرطة قد تُفضي إلى:

- ضعف مهارة التفكير النقدي.

- الخوف من المبادرة.

- قابلية الانقياد غير الواعي لأي سلطة أقوى.

- ربط الأخلاق بالرقابة لا بالاقتناع.

والتاريخ الاجتماعي يقدم شواهد كثيرة على أن أخطر الانحرافات لم تكن دائمًا نتيجة تمرد، بل أحيانًا نتيجة طاعة عمياء. حين يُلغى السؤال، يُلغى جزء أساسي من إنسانية الفرد.

المحور الثالث: 

التربية على الفهم — بناء الضمير بدل بناء الخوف

في المقابل، تقوم التربية على الفهم على الحوار، وشرح الأسباب، وربط الأوامر بسياقها القيمي. هنا لا يُطلب من الطفل أو الطالب أن يطيع فقط، بل أن يدرك لماذا يطيع.

هذا التحول من الامتثال إلى الاستيعاب يعكس انتقال مركز الضبط من الخارج إلى الداخل. فبدل أن يكون الرادع هو العقوبة، يصبح الرادع هو الضمير.

من منظور فلسفي، يرتبط الفهم بفكرة الاستقلال الأخلاقي. فالفعل الأخلاقي لا يكتسب قيمته من كونه مفروضًا، بل من كونه مُختارًا عن وعي. التربية التي تنمّي الفهم تُهيّئ الفرد ليكون فاعلًا أخلاقيًا لا مجرد منفّذ لتعليمات.

لكن هذا النموذج ليس سهلًا. فهو يتطلب:

- صبرًا تربويًا طويل النفس.

- قدرة على الحوار.

- استعدادًا لسماع الأسئلة الصعبة.

- وعيًا ذاتيًا لدى المربي نفسه.

كما أن التربية على الفهم قد تُساء قراءتها بوصفها تساهلًا أو فقدانًا للهيبة. غير أن الفرق جوهري: التساهل غياب للمعايير، أما الفهم فهو توضيح للمعايير.

المحور الرابع: 

البعد الثقافي — لماذا تميل بعض المجتمعات إلى الطاعة أكثر من الفهم؟

التربية لا تنشأ في فراغ. فهي انعكاس لبنية ثقافية أوسع. المجتمعات ذات الطابع التراتبي الصارم تميل غالبًا إلى تمجيد الطاعة، لأنها ترى في الانضباط ضمانًا للاستقرار. وفي سياقات يسودها الخوف من الفوضى، تُقدَّم الطاعة بوصفها درعًا يحمي النظام الاجتماعي.

كذلك، حين تتضخم السلطة السياسية أو الدينية في المجال العام، ينعكس ذلك على أنماط التربية. فيصبح الامتثال قيمة عليا، ويتراجع السؤال النقدي.

لكن التحولات الرقمية المعاصرة أعادت تشكيل العلاقة مع السلطة. فالأطفال اليوم يتعرضون لفيضٍ من المعلومات والآراء، مما يجعل نموذج الطاعة الصارمة أقل قابلية للاستمرار. العالم المفتوح يدفع نحو النقاش، لا نحو الإذعان.

ومن هنا يتولد توتر ثقافي: بين نمط تربية تقليدي قائم على الأمر والنهي، وواقع معرفي يفرض الحوار والتفسير.

المحور الخامس: 

هل التعارض حقيقي أم زائف؟

قد يبدو السؤال وكأنه مفاضلة حاسمة: إما الطاعة وإما الفهم. لكن القراءة الأكثر توازنًا تكشف أن التعارض ليس مطلقًا.

الطفولة المبكرة تحتاج إلى قدر من الطاعة التنظيمية، لأن الفهم لم يكتمل بعد. غير أن الهدف النهائي للتربية لا يمكن أن يكون إنتاج أفراد يطيعون دائمًا، بل أفراد يعرفون متى ولماذا يطيعون.

النموذج المتكامل يقوم على:

- طاعة مرحلية تحمي وتضبط.

- انتقال تدريجي نحو الفهم والاستقلال.

- تحويل السلطة من مصدر خوف إلى مرجعية إرشاد.

- بناء ضمير داخلي قادر على اتخاذ القرار دون رقابة خارجية.

بهذا المعنى، الطاعة ليست نقيض الفهم، بل درجته الأولى. لكنها إذا لم تتطور، تحولت إلى عائق أمام النضج.

خاتمة: 

أي إنسان نريد أن نصنع؟

السؤال الحقيقي ليس: هل نربي على الطاعة أم على الفهم؟
بل: أي نوع من البشر نريد أن نُسهم في تشكيله؟

إن المجتمع الذي يكتفي بإنتاج أفراد مطيعين قد يضمن هدوءًا ظاهريًا، لكنه يخاطر بضمور المبادرة والإبداع. أما المجتمع الذي يُنمّي الفهم، فإنه يقبل قدرًا من السؤال والاختلاف، لكنه يراهن على وعي أعمق ومسؤولية أرسخ.

التربية الناجحة لا تُخرّج مطيعين خائفين، ولا متمردين بلا ضوابط، بل تُخرّج أشخاصًا يملكون القدرة على الفهم، والجرأة على السؤال، والاستعداد لتحمل مسؤولية اختياراتهم.

وحين يصبح الامتثال نابعًا من اقتناع، لا من خوف، نكون قد انتقلنا من تربية السلوك إلى تربية الإنسان.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Samir دكتور جامعي تقييم 4.99 من 5.
المقالات

25

متابعهم

113

متابعهم

449

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.