فيسيولوجية الصدمات: حين يبدأ التعافي من استعادة الأمان

فيسيولوجية الصدمات: حين يبدأ التعافي من استعادة الأمان

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

فيسيولجية الصدمات للكاتب 

بابيت روتشلد: 


 

فسيولوجية الصدمات: حين يبدأ التعافي من استعادة الأمان

بقلم: بابيت روتشيلد (مع مراجعة وإسناد علمي عام)

عندما نتحدث عن التعافي من الصدمات النفسية، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن أن الطريق إلى الشفاء يمر عبر مواجهة الماضي واستعادة أكثر الذكريات إيلامًا، وكأن العودة إلى لحظة الصدمة هي السبيل الوحيد للتحرر من آثارها. غير أن هذا التصور قد لا يكون مناسبًا للجميع؛ فإعادة معايشة التجربة المؤلمة دون امتلاك الأدوات اللازمة لتنظيم الانفعالات قد تؤدي أحيانًا إلى إعادة الصدمة (Re-traumatization) وزعزعة الاستقرار بدلًا من استعادته.

في كتاب «الجسد يتذكر: فسيولوجية الصدمة وعلاجها» (The Body Remembers)، تقدم أخصائية العلاج النفسي بابيت روتشيلد (Babette Rothschild) رؤية في التعامل مع الصدمات النفسية، تقوم على فكرة محورية: أن الاستقرار والأمان يجب أن يسبقا مواجهة الألم. فالتعافي، وفق هذا المنظور الجسدي-النفسي (Somatic Approach)، لا يبدأ بالضرورة من الغوص في الماضي، وإنما من مساعدة الإنسان على استعادة إحساسه بالأمان والتوازن في حاضره.

الصدمة في الجسد والجهاز العصبي: التأصيل العلمي

تنطلق روتشيلد من فهم الصدمة باعتبارها تجربة لا تقتصر آثارها على الأفكار والمشاعر، بل تمتد إلى الجسد والجهاز العصبي المستقل (Autonomic Nervous System). فالإنسان الذي مر بتجربة صادمة قد يستمر جسده في التعامل مع العالم وكأن الخطر ما زال قائمًا.

تتفق هذه الرؤية مع أدبيات الرعاية النفسية والطبية الحديثة؛ إذ يوضح المعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH) والمشفيات العالمية مثل مايو كلينك (Mayo Clinic) أن اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) يتضمن استجابات فسيولوجية مستمرة تفعل آليات الخوف الذاتية مثل «المواجهة أو الهرب» (Fight or Flight) أو «التجمد» (Freeze) حتى في غياب الخطر الفعلي. ومن هنا يصبح فهم العلاقة بين النفس والجسد والجهاز العصبي عنصرًا مهمًا في رحلة التعافي.

وتولي الكاتبة أهمية خاصة لمفهوم تنظيم الجهاز العصبي وتطبيق آليات الفرامل (Braking Mechanisms) الفسيولوجية لتجنب فرط الاستثارة، وهو ما يتقاطع مع طروحات علم الأعصاب وطب النفس العصبي. فقبل أن يواجه الإنسان ذكرياته المؤلمة، يحتاج إلى امتلاك قدر من الاستقرار الفسيولوجي والنفسي يسمح له بالاقتراب من تلك الذكريات دون أن يشعر بأنه يغرق فيها من جديد.

ولهذا تركز روتشيلد على مجموعة من الممارسات الشائعة في العلاجات الجسدية والنفسية، مثل اليقظة الذهنية (Mindfulness)، والوعي بالإحساسات الجسدية (Somatic Awareness)، والتأريض (Grounding). وتدعم المراجعات العلمية الصادرة عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) دور هذه التقنيات المساعدة في إدارة أعراض التوتر الشديد وتنظيم الانفعالات. ولا تهدف هذه الممارسات إلى محو الماضي، وإنما إلى مساعدة الإنسان على إدراك الفرق الفسيولوجي بين الخطر الذي حدث في الماضي والأمان الموجود في اللحظة الراهنة.

التدرج والأمان أولًا

ومن الأفكار اللافتة في أطروحة روتشيلد أن مواجهة الصدمة ليست مسابقة في مقدار الألم الذي يستطيع الإنسان تحمله. فإجبار الناجي على استعادة تفاصيل التجربة قبل أن يكون مستعدًا أو في بيئة علاجية آمنة قد يجعله يعيش التجربة مرة أخرى بدلًا من معالجتها. لذلك يعد التدرج، واحترام حدود الشخص، واتباع المبادئ التوجيهية القائمة على التراحم والأمان (Trauma-Informed Care) جزءًا أساسيًا من الممارسات النفسية الحديثة.

وتعيد هذه الرؤية صياغة السؤال من: «كيف أتذكر ما حدث؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف أستعيد إحساسي بالأمان والتوازن بعد ما حدث؟»

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الكتاب؛ فالتعافي من الصدمة لا يعني بالضرورة العودة المستمرة إلى الماضي، بل يمكن أن يبدأ من الحاضر، من الجسد، ومن تعلم الإصغاء إلى الإشارات الداخلية وفهمها وتنظيمها.

إن «فسيولوجية الصدمات» تقدم تصورًا عن طبيعة الصدمة وآثارها الجسدية والنفسية، وتلفت الانتباه إلى أهمية التعامل مع الإنسان بوصفه وحدة متكاملة. كما تمنح الممارسين في مجال العلاج النفسي منظورًا يضع الاستقرار والأمان في مقدمة العملية العلاجية.

وفي النهاية، تطرح بابيت روتشيلد فكرة جوهرية: ربما لا يبدأ الشفاء من مواجهة الألم، بل من امتلاك ما يكفي من الأمان لمواجهته عندما يحين الوقت المناسب. فالتعافي المستدام ليس سباقًا نحو الماضي، وإنما رحلة تدريجية لاستعادة العلاقة مع الذات والجسد والإحساس بالحاضر.

⚠️ إخلاء مسؤولية وتنبيه مهم (حدود المعلومات)

 * طبيعة المحتوى: جميع المعلومات وطرق التعافي الواردة في هذا المقال هي معلومات تثقيفية عامة مستمدة من كتابات أخصائية الصدمات بابيت روتشيلد ومسندة إلى الأدبيات العلمية العامة في مجال الصحة النفسية.

 * حدود الاستخدام: هذه المراجعة لا تُغني عن قراءة الكتاب الأساسي، كما أنها لا تُعد بأي حال من الأحوال بديلاً عن الاستشارة الطبية أو التشخيص النفسي أو العلاج المباشر.

 * التشخيص والجرعات العلاجية: المعلومات المقدمة هنا غير شخصية ولا تقدم توجيهًا حاسمًا أو خطة علاجية لحالة فردية. عند الحاجة إلى تقييم حالة نفسية، أو تحديد خطة علاجية، أو تناول جرعات دوائية، يجب مراجعة طبيب نفسي أو أخصائي صحة نفسية معتمد لتقديم الرعاية المناسبة المخصصة لكل حالة على حدة.

المصادر والمراجع العلمية المستقلة:

 * Rothschild, B. (2000). The Body Remembers: The Psychophysiology of Trauma and Trauma Treatment. W. W. Norton & Company.

 * National Institute of Mental Health (NIMH): Post-Traumatic Stress Disorder (PTSD) Overview.

 * American Psychological Association (APA): Clinical Practice Guideline for the Treatment of Posttraumatic Stress Disorder (PTSD) in Adults.

 * Mayo Clinic: Post-traumatic stress disorder (PTSD) - Symptoms and causes.

 

 

image about فيسيولوجية الصدمات: حين يبدأ التعافي من استعادة الأمان

 

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Haitem Laissani تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

7

متابعهم

8

مقالات مشابة
-