ما وراء الأغصان

ما وراء الأغصان
في قلب حديقةٍ واسعة، تقف خمس أشجارٍ متجاورة، كأنها خُلقت لتبقى معًا. كبرت أغصانهن في المكان نفسه، وعشن الفصول جنبًا إلى جنب؛ يمرّ الشتاء فوقهنّ ثقيلًا، ثم يأتي الربيع فيعيد إلى أغصانهن ما أخذه البرد، ويعود الصيف محمّلًا بالشمس والثمار. ومع مرور السنوات، بدأت شجرةٌ واحدة تلفت الأنظار أكثر من غيرها؛ فكانت مختلفة.
حيث إن أغصانها أكثر امتلاءً، وأوراقها أكثر خضرة، وثمرها يتدلى منها في وفرةٍ جعلتها أجمل أشجار الحديقة في أعين الجميع، وكان المارّة يتوقفون عندها طويلًا، وكانت الأشجار الأربع تنظر إليها من بعيد، وتراقب ما تملكه وكأنه نصيبٌ سُلب منهن، وقالت إحداهن: «كم أتمنى لو كانت أغصاني مثل أغصانها»، وأضافت أخرى: «انظري إلى ثمارها... يبدو أن الحياة اختارت أن تكون رحيمة معها وحدها»، أما الثالثة، فكانت أكثرهن تعلقًا بها؛ كانت تنظر إلى ظلها الواسع، وإلى شكلها الذي يسرّ العين، ثم تقول في نفسها: «ليتني أستطيع أن آخذ مكانها ولو ليومٍ واحد».
ولم تكن أيٌّ منهن تعرف أن تلك الشجرة كانت تحمل في صمتٍ شيئًا لم تستطع أعينهن الوصول إليه؛ فخلف أغصانها الكثيفة، كانت شجرةٌ صغيرة تنمو في الخفاء. كانت نحيلة الأغصان، قليلة الأوراق، ضعيفة أمام الرياح والشمس، حتى إن أحدًا من المارة لم يكن ينتبه إلى وجودها، ومنذ أن كانت تلك الشجرة الصغيرة بذرةً بالكاد تشق طريقها نحو الضوء، أخذت الشجرة الكبيرة تحيط بها بأغصانها، فتحجب عنها قسوة الشمس، وتصدّ عنها الرياح، وتترك لها من ظلها ما يكفي لتبقى.
ومع مرور السنوات ازداد ما تمنحه لها؛ حتى صار جمال الشجرة الكبيرة الذي أثار إعجاب الجميع يحمل خلفه سرًا لا يعرفه أحد؛ فكانت أغصانها ممتلئة لأنها تحمل أكثر مما ظنّت الأخريات، وكان ظلها واسعًا لأنها اختارت أن تمنح جزءًا منه لغيرها. أما هي، فلم تطلب من أحد أن يعرف. وفي صباحٍ هادئ، دخل البستاني الحديقة على غير عادته، وتوجّه مباشرةً نحو الشجرة الجميلة. ظلّ يحدّق فيها طويلًا، ثم اقترب وأزاح بعض أغصانها.
فظهرت الشجرة الصغيرة للمرة الأولى، وحينها توقفت الأشجار الأربع عن الهمس، وساد الصمت. ثم نظر البستاني إليها، ومن ثمّ إلى الشجرة الكبيرة، وقال بهدوء: «الآن فهمت...»، كانت الأشجار الأربع تحدّق في المشهد دون أن تعرف ماذا تقول، ولأول مرة، رأين ما كان مختبئًا خلف ذلك الجمال الذي قضين سنوات يتمنين لو كان لهنّ؛ فلم تعد الثمار الكثيرة، والظل الواسع، والأغصان تبدو لهنّ كما كانت.
فهمن أن ما ظننّه رفاهية، كان مسؤولية، وأن ما حسبنه حظًا، كان عطاءً صامتًا، وأنهن قضين سنواتٍ ينظرن إلى ما فوق الأرض، دون أن يعرفن القصة التي كانت تُكتب تحت أغصانها، ومنذ ذلك اليوم، لم تعد أيٌّ منهن تنظر إلى شجرةٍ أخرى بالطريقة نفسها؛ فقد تعلّمن أن أجمل ما نراه في حياة الآخرين قد يكون وراءه ثمنٌ لا نراه... وأننا أحيانًا نحسد شخصًا على شيءٍ نتمنى امتلاكه، دون أن نعرف كم كان عليه أن يتحمّل حتى يصل إليه.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق