لماذا نكره الضحية ونتعاطف مع الجاني؟
لماذا نكره الضحية ونتعاطف مع الجاني؟:
لماذا يتعاطف الناس مع الجاني؟
عندما تنقلب الأدوار بين الضحية والمجرم
تخيّل أن تقرأ عن جريمة مروّعة ارتكبها شخص بحق إنسان بريء. من الطبيعي أن يكون تعاطفك الأول مع الضحية، وأن ترى الجاني بوصفه المسؤول عن الجريمة. لكن ماذا لو وجدت نفسك، بعد قليل، تبحث عن مبررات لما فعله؟ ماذا لو بدأت تقول: ربما كانت طفولته قاسية... ربما عانى كثيرًا... ربما دفعته الظروف إلى ذلك…
وفي المقابل، ماذا لو بدأت تنظر إلى الضحية بعين مختلفة؟
لماذا كانت هناك؟ لماذا وثقت به؟ لماذا لم تهرب؟ لماذا تصرفت بهذه الطريقة؟
هنا تبدأ المفارقة الغريبة التي يناقشها كتاب «لماذا يتعاطف الناس مع الجاني» للكاتبين روبرت شوماكر وكايل روبرت؛ وهي مفارقة تكشف جانبًا معقدًا من النفس البشرية: كيف يمكن للإنسان أن يتعاطف مع من ارتكب الجريمة، وأن يبحث عن مسؤولية الضحية بدلًا من التركيز على مسؤولية الجاني؟
الكتاب لا يتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها مجرد خلل أخلاقي أو قسوة في المشاعر، بل يحاول الاقتراب منها من خلال علم النفس وعلم الاجتماع وتاريخ الجريمة وطريقة صناعة الصورة العامة للمجرمين والضحايا.
والأكثر إثارة أن الكتاب يقود القارئ تدريجيًا إلى إدراك أن الحكم على الجريمة لا يحدث دائمًا في مكان الجريمة نفسها، بل قد يحدث لاحقًا في أذهان الناس، وفي الصحف، وفي القصص التي تُروى، وفي الطريقة التي تُقدَّم بها شخصية الجاني أمام الجمهور.

---
المجرم الذي يتحول إلى شخصية مشهورة
من أكثر الأفكار إثارة في الكتاب أن صورة المجرم لم تكن دائمًا مرتبطة بالجريمة وحدها.
فعبر التاريخ، ظهر مجرمون تحولوا إلى شخصيات معروفة، بل إن بعضهم اكتسب نوعًا من الشهرة والفضول الشعبي جعله يتجاوز صورته بوصفه مجرد مرتكب لجريمة.
وهنا تظهر مشكلة مهمة:
ماذا يحدث عندما تصبح حياة الجاني قصة؟
عندما يُقدَّم المجرم في صورة شخصية غامضة، أو ذكية، أو متمردة، أو ذات ماضٍ مأساوي، فإن الجمهور قد يبدأ بالنظر إليه من زاوية مختلفة. بدلًا من أن يكون السؤال:
«ماذا فعل؟»
يصبح السؤال:
«لماذا فعل ذلك؟»
والفرق بين السؤالين أكبر مما يبدو.
فالسؤال الأول يركز على الفعل ومسؤوليته، بينما الثاني يفتح الباب أمام البحث عن تفسير، والتفسير قد يتحول بسهولة إلى تبرير.
وهنا تكمن قوة السرد.
فالناس لا يتعاملون مع الحقائق بطريقة واحدة؛ الطريقة التي تُروى بها الحقيقة قد تؤثر في الطريقة التي نحكم بها عليها.
إذا قيل لنا إن شخصًا ارتكب جريمة، فسوف نحكم عليه من خلال الجريمة.
لكن إذا قيل لنا أولًا إنه عاش طفولة مؤلمة، وعانى من الفقر، وتعرض للخيانة، وفقد أشخاصًا يحبهم، ثم ارتكب الجريمة، فإننا قد نبدأ بالنظر إليه بوصفه إنسانًا قبل أن ننظر إليه بوصفه مجرمًا.
ولا يعني هذا أن معرفة خلفية الجاني أمر خاطئ؛ فهم دوافع الجريمة مهم جدًا. لكن الكتاب يدفعنا إلى التفكير في الحد الفاصل بين الفهم والتبرير.
فأن تفهم لماذا ارتكب شخص جريمة لا يعني بالضرورة أن توافق على ما فعله.
---
لماذا نلوم الضحية أحيانًا؟
ربما يكون هذا الجانب من الكتاب هو الأكثر إزعاجًا للقارئ، لأنه يجبره على النظر إلى سلوك بشري قد نمارسه جميعًا بدرجات مختلفة.
لماذا يسأل بعض الناس الضحية:
لماذا لم تنتبه؟
لماذا ذهبت إلى ذلك المكان؟
لماذا وثقت بهذا الشخص؟
لماذا لم تتصرف بشكل مختلف؟
بدل أن يكون السؤال:
لماذا اختار الجاني أن يؤذيها؟
هذه الظاهرة تُعرف بـ إلقاء اللوم على الضحية، وهي ليست مجرد مسألة تتعلق بقلة التعاطف، بل ترتبط بمجموعة من الآليات النفسية والاجتماعية المعقدة.
ومن هنا يقدم الكتاب فكرة مهمة مرتبطة بما يُعرف بـ «فرضية العالم العادل».
---
هل نحتاج إلى الاعتقاد بأن العالم عادل؟
يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن النظام في الفوضى.
نحن نحب أن نشعر بأن الأشياء تحدث لأسباب واضحة، وأن الأفعال لها نتائج يمكن توقعها، وأن الإنسان يستطيع حماية نفسه إذا اتخذ القرارات الصحيحة.
لكن الحياة لا تعمل دائمًا بهذه الطريقة.
قد يتعرض شخص بريء لجريمة دون أن يكون قد فعل شيئًا يستحقها.
وهذه الحقيقة مخيفة.
لأن الاعتراف بأن الشر قد يصيب الإنسان بلا إنذار يعني الاعتراف بأننا نحن أيضًا لسنا محصنين منه.
ولهذا قد يكون من الأسهل نفسيًا أن نقول:
«لا بد أن الضحية فعلت شيئًا ما.»
ليس لأن ذلك صحيح، وإنما لأن هذا التفسير يمنحنا وهم السيطرة.
إذا كانت الضحية أخطأت، فهذا يعني أننا نستطيع تجنب مصيرها إذا لم نرتكب الخطأ نفسه.
وهكذا يصبح لوم الضحية وسيلة نفسية غير واعية لحماية الذات.
كأن العقل يقول:
«أنا بخير لأنني لن أفعل ما فعلته هي.»
لكن المشكلة أن هذا التفكير قد يحول المأساة إلى محاكمة للضحية، ويجعل المسؤول الحقيقي عن الجريمة يختفي خلف عشرات الأسئلة الموجهة إلى الشخص الذي تعرض للأذى.
---
الإنسان لا يبحث عن الحقيقة فقط... بل عن الطمأنينة
وهذه واحدة من أكثر الأفكار التي يمكن للقارئ أن يخرج بها من الكتاب.
نحن لا نبحث دائمًا عن التفسير الأكثر دقة، بل قد نبحث عن التفسير الذي يجعل العالم أكثر احتمالًا بالنسبة إلينا.
فكرة أن العالم عادل تمنح الإنسان قدرًا من الراحة:
إذا كنت حذرًا فلن يحدث لك شيء.
إذا تصرفت بطريقة صحيحة فسوف تكون آمنًا.
إذا حدثت مصيبة لشخص ما فلا بد أنه ارتكب خطأ أدى إليها.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالحوادث تحدث.
والجرائم تقع.
والأشخاص السيئون قد يتقاطعون أحيانًا مع أشخاص لم يفعلوا شيئًا ليستحقوا الأذى.
وهذا الإدراك ليس مريحًا، لكنه أكثر واقعية.
---
الإعلام... عندما تصبح الجريمة قصة
لا يتوقف تأثير الكتاب عند علم النفس الفردي، بل ينتقل إلى سؤال أكثر اتساعًا:
من الذي يصنع الصورة التي نكوّنها عن الجاني والضحية؟
هنا يظهر الإعلام بوصفه لاعبًا أساسيًا.
فالجريمة لا تصل إلينا في كثير من الأحيان كما حدثت لحظة بلحظة، وإنما تصل إلينا من خلال رواية.
عنوان.
صورة.
مقابلة.
تفاصيل مختارة.
خلفية عن الجاني.
معلومات عن الضحية.
كل هذه العناصر تشكل القصة التي يبني الجمهور من خلالها موقفه.
وقد يكون عنوان واحد قادرًا على تغيير الطريقة التي ينظر بها القارئ إلى القضية.
هناك فرق كبير بين أن تقرأ:
«رجل يعتدي على ضحية»
وأن تقرأ:
«رجل مضطرب يعاني من طفولة مأساوية يرتكب جريمة...»
في الجملة الثانية، بدأنا نتعرف على الجاني قبل أن نعرف الضحية.
وهذا وحده قد يؤثر في تعاطفنا.
---
لماذا نتذكر وجه الجاني أحيانًا أكثر من وجه الضحية؟
من المثير للتأمل أن بعض المجرمين يتحولون إلى أيقونات ثقافية.
تُروى قصصهم، وتُنتج عنهم الأفلام والوثائقيات، وتُكتب عنهم الكتب، وتنتشر صورهم، ويصبح اسمهم معروفًا حتى بعد سنوات طويلة من جرائمهم.
أما الضحايا فقد يتحولون أحيانًا إلى مجرد أرقام داخل القصة.
وهنا يطرح الكتاب سؤالًا أخلاقيًا مهمًا:
هل الطريقة التي نروي بها الجريمة تمنح الجاني شهرة لا يستحقها؟
عندما يصبح المجرم هو الشخصية الرئيسية، قد تتحول الجريمة تدريجيًا من قصة عن الألم الذي سببه إلى قصة عن شخصيته الغامضة.
وقد يجد بعض الناس أنفسهم مفتونين بشخصية الجاني أكثر من اهتمامهم بمصير ضحاياه.
وهذا لا يعني أن الاهتمام بعلم الجريمة أمر خاطئ، بل يعني أن علينا أن نكون واعين بالطريقة التي نستهلك بها هذه القصص.
---
بين التعاطف والتبرير... خط فاصل دقيق
ربما يكون أهم ما يجعل موضوع الكتاب مثيرًا هو أن التعاطف في حد ذاته ليس جريمة.
يمكننا أن نفهم معاناة شخص ارتكب جريمة، وأن ندرك أن طفولته كانت قاسية، أو أنه تعرض للعنف، أو أنه عاش ظروفًا نفسية واجتماعية صعبة.
لكن فهم الإنسان لا يعني تبرئة أفعاله.
وهنا يجب أن نميز بين عبارتين:
«أفهم لماذا أصبح هكذا.»
و
«لذلك ما فعله مقبول.»
الأولى محاولة للفهم.
أما الثانية فهي تبرير.
والفارق بينهما ضروري جدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالجرائم.
فالإنسان يمكن أن يكون ضحية في جانب من حياته، وجانيًا في جانب آخر.
قد تكون لديه قصة مؤلمة، لكن قصته المؤلمة لا تلغي مسؤولية أفعاله.
---
لماذا هذا الكتاب مهم؟
أهمية الكتاب لا تكمن فقط في الحديث عن المجرمين، وإنما في أنه يجعل القارئ يراجع نفسه.
بعد قراءة هذا النوع من الأفكار، قد تبدأ بملاحظة أشياء كنت تمر عليها دون تفكير.
لماذا صدقت هذه الرواية؟
لماذا تعاطفت مع هذا الشخص؟
لماذا شعرت أن الضحية كان يجب أن تتصرف بشكل مختلف؟
لماذا أثرت فيك قصة الجاني أكثر من قصة الضحية؟
ولماذا يبدو بعض المجرمين مثيرين للاهتمام بينما يبدو ضحاياهم مجرد شخصيات هامشية؟
هذه الأسئلة تجعل الكتاب يتجاوز حدود علم الجريمة، ليصبح كتابًا عن الإنسان نفسه؛ عن طريقة تفكيره، وعن خوفه، وعن حاجته إلى إيجاد تفسير للأشياء، وعن قدرته أحيانًا على بناء رواية تمنحه شعورًا بالأمان حتى لو كانت تلك الرواية غير عادلة.
---
الخلاصة: من نحكم عليه حقًا؟
في النهاية، يضعنا الكتاب أمام مفارقة صعبة.
نحن نحب أن نعتقد أننا نميز بسهولة بين الخير والشر.
الجاني مذنب.
والضحية بريئة.
لكن الواقع النفسي والاجتماعي أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية البسيطة.
فقد يتعاطف الإنسان مع الجاني لأنه سمع قصته.
وقد يلوم الضحية لأنه يبحث عن تفسير يمنحه شعورًا بالأمان.
وقد يتغير حكم الجمهور بالكامل بسبب صورة أو عنوان أو طريقة سرد.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من الكتاب هو أن التعاطف قوة، لكنه ليس دائمًا دليلًا على الحقيقة.
قد نتعاطف مع الشخص الذي نسمع قصته بشكل أفضل، وليس بالضرورة مع الشخص الذي يستحق تعاطفنا أكثر.
ولهذا، عندما نقرأ عن جريمة، ربما يكون من المفيد أن نتوقف لحظة قبل إصدار الحكم، وأن نسأل أنفسنا:
هل أنا أحكم على ما حدث فعلًا، أم على القصة التي رُويت لي عن ما حدث؟
وهل أفهم الجاني، أم بدأت أبرر له؟
وهل أحاول فهم الضحية، أم أبحث عن خطأ يجعلني أشعر بأنني أكثر أمانًا؟
ربما تكون هذه الأسئلة هي الجزء الأكثر أهمية في الكتاب؛ لأنه لا يكتفي بأن يخبرنا لماذا يتعاطف الناس مع الجاني، بل يجعلنا نتساءل عن الطريقة التي نحكم بها نحن أنفسنا على الآخرين.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق