"السيدة ذات الضفائر".. علم الفيزياء يفك شفرة مومياء مصرية "مجهولة"

"السيدة ذات الضفائر".. علم الفيزياء يفك شفرة مومياء مصرية "مجهولة"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الرحلة الطويلة المقطوعة للمومياء المصرية المجهولة من مصر إلى كندا وأخيراً بالولايات المتحدة الأميركية:

رحلةٌ طويلةٌ قطعتها مومياء مصرية "مجهولة الاسم "، إلى أن استقر بها المقام في متحف كنوز العالم بمدينة ويتشيتا في ولاية كانساس الأمريكية، حيث أصبحت تسمى هناك بـ"السيدة ذات الضفائر"، بسبب تسريحة شعرها المضفرة النادرة التي ما زالت محفوظة حتى اليوم.

ورغم أن المتاح من معلومات عن تلك المومياء شحيح للغاية، ويقتصر على معلومةٍ واحدةٍ فقط، وهي أنها عاشت على الأرجح خلال عصر الدولة الحديثة أو الفترة الانتقالية الثالثة، أي قبل أكثر من 3000 عام، فإن فريقاً بحثياًّ من جامعة "ميشيغان" "Michigan" الأمريكية استطاع باستخدام تقنية "التصوير المقطعي المحوسب" عالي الدقة، أن يستخرج منها كنزا من المعلومات التي تعطي ملامح عن طبقتها الاجتماعية والبيئية التي كانت تعيش فيها.

وخلال الدراسة المنشورة في دورية "راديولوجي كيس ريبورتس" (Radiology Case Reports)، رجح الباحثون انتماء تلك السيدة، التي عثر على المومياء الخاصة بها ضمن مجموعة من المومياوات، وليس داخل مقبرةٍ منفردةٍ، إلى طبقة اجتماعية ميسورة أو نخبوية، لكنها ليست ملكية.

وكشفت الأشعة عن محاولة "غير مكتملة" لتقليد التحنيط الملكي، حيث كان الدماغ والأحشاء في التحنيط الملكي تُزال بالكامل، بينما في حالة تلك "السيدة ذات الضفائر"، بقيت أجزاء من الكبد وأعضاء أخرى داخل الجسم، كما لم يُستخرج الدماغ عبر الأنف، وهو أسلوب كان شائعاً في التحنيط الملكي.

ويعكس هذا المستوى من التحنيط مستوى كفاءة أقل للشخص القائم بالتحنيط والقدرة المادية لأسرة السيدة، كما يوضح بسام الشماع، المؤرخ والمحاضر وعضو المجلس الدولي للمتاحف.

ويقول : "إذا كان التحنيط الملكي يمثل خدمة (5 نجوم)، فإن هذه المومياء حظيت بتحنيط لا يتعدى (نجمة أو نجمتين)، فقد كانت محاولة من أسرة ذات إمكانياتٍ ميسورةٍ إلى حد ما، منح فقيدها طقوساً ملكية لكن بكلفة أقل".

وكان سوق التحنيط في مصر القديمة محكوماً بالقدرة المالية، فالأسر الغنية تستأجر كبار المحنطين وتشتري أجود أنواع الكتان (مثل كتان الجنوب الشهير)، بينما تلجأ الطبقات المتوسطة إلى محنطين أقلُ خبرةً وموادَ أقلَّ جودةً، وهو ما يفسر فشل المحنطين في إزالةِ كامل الأحشاء كالكبد والحجاب الحاجز وأنسجة الدماغ في هذه الحالة، كما يوضح بسام.

أَسْنَانٌ سَيِّئَةٌ بِلَا تَسَوُّس:

وحظيت أسنان "السيدة ذات الضفائر" بفحص تفصيلي، كشف أنها لم تعانِ من مشكلة التسوس، لكنها عانت من تآكل شديد في الأسنان، وعلامات على أمراض في اللثة، بالإضافة إلى وجود سن مكسورة وسن منجرفة نحو البلعوم.

واتفق بسام مع ما ذهب إليه الباحثون من أن تآكل الأسنان وأمراض اللثة، كان سببهما النظام الغذائي للمصريين القدماء، خاصة الخبز الذي كان يحتوي أحيانا على حبيباتٍ رمليةٍ دقيقةٍ ناتجة عن الطحن التقليدي للحبوب، ما أدى إلى تآكل الأسنان مع مرور الوقت.

لكنه اختلف مع ما ذهبوا إليه من أن السن المكسورة والسن المنجرفة نحو البلعوم كانتا نتيجة لخطأ أثناء ممارسة طقس "فتح الفم" الجنائزي.

وكان هذا الطقس يُجرى على المومياء بهدف إعادة قدرتها الرمزية على التنفس والكلام والرؤية والأكل في الحياة الأخرى، وفق معتقدات المصريين القدماء.

ويعتقدُ الباحثون أن المحنطين استخدموا الأدوات الفولاذية أو الحجرية بالقوةِ داخل فَمِ السيدة ذات الضفائر بشكلٍ تسبب في وجود سِنٍّ مكسورة وأخرى سليمة انتقلت إلى منطقة البلعوم، وهو ما يرفضه بسام.

وقال إنه: "خلال طقس فتح الفم، وهو طقس رمزي، كان الكاهن يقرب أداة فتح الفم من الشفتين لاستعادة القدرة على الكلام والأكل في العالم الآخر، ولم تكن الأداة تُدخل إجرائياًّ داخل الفم، ولم تسجل المقابر المصرية القديمة طوال تاريخها أي منظر يُظهر الكاهن وهو يدخل الأدوات الفولاذية أو الحجرية بالقوة داخل فم المتوفى بشكل يتسبب في كسر أسنانه، وبالتالي قد تكون هناك أسباب أخرى تسببت في تلك الحالة المرصودة بالدراسة".

ولفت بسام إلى أن الدراسة لم تقدم تفسيراً لغياب التسوس، وهو على ما يبدو يعود إلى أنها ليست اختراقاً علمياًّ جديداً، إذ تم إثباته في دراسات أخرى.

ومن الثابت تاريخياًّ، أن المصري القديم لم يعرف "السكر الأبيض"، وكان يعتمد في التحلية على البلح وشطائره (كيك البلح)، في حين كان عسل النحل سلعةً باهظةَ الثمن، وعززت نتائج الدراسة هذه الحقيقة، كما يؤكد بسام.

سَبَبٌ مَجْهُولٌ لِلْوَفَاة:

ولم يفض الفحص خلال الدراسة إلى الوصول لأي أدلة تشير إلى أن "السيدة ذات الضفائر"، ماتت نتيجة حادث أو إصابة جسدية كبيرة، إذ كان الهيكل العظمي خالياً من أي كسور وإصابات عنيفة وأمراض عظمية خطيرة، أو أي دلائل على أمراض استقلابية متقدمة.

وكانت هناك صعوبةً في التحقق من أسباب الوفاة الأخرى، فقد أوضح الباحثون أن التحنيط والجفاف الشديد للأنسجة يجعل تحديد الأسباب الأخرى للوفاة أمرا شبه مستحيل.

ورغم أن تحديد أسباب الوفاة، كان سيمثل اختراقاً كبيراً، فإن الباحثين أبدوا رضاهم عما توصلوا إليه من نتائج أثبتت كيف يمكن للتقنيات الطبية الحديثة تحويل مومياء مجهولة الهوية إلى "سجل بيولوجي" يكشف تفاصيل حياة شخص عاش قبل آلاف السنين، كما أنها قدمت دليلاً جديداً على تنوع أساليب التحنيط والطقوس الجنائزية في مصر القديمة.

ويضيف بسام ميزة أخرى لهذه الدراسة وهي أنها تمثل في رأيه تجسيداً واضحاً لمحاولة عائلة من الطبقة المتوسطة الارتقاء بفقيدها مجتمعياًّ ودينياًّ عن طريق محاكاة التحنيط الملكي الفاخر بأساليب موفرة، لتبقى المومياء شاهدة على أن طموح الترقي الطبقي في مصر القديمة لم يكن يتوقف حتى عند أبواب الموت.

يذكر أن هذه المومياء اكتُشفت في مصر، ثم نُقلت إلى كندا عام 1860 بواسطة الطبيب وجامع الآثار جيمس دوغلاس، وبعد ذلك انتقلت بين عدة مؤسسات، حيث امتلكها أولاً متحف "نياجارا فولز" بمقاطعة أونتاريو الكندية، ثم متحف "مايكل سي. كارلوس" في مدينة أتلانتا الأمريكية عام 1999، قبل أن تُباع إلى متحف كنوز العالم بمدينة ويتشيتا في ولاية كانساس الأمريكية عام 2006، حيث تعرض حالياً.

عنوان المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "راديولوجي كيس ريبورتس" (Radiology Case Reports) الذي سينشر في إصدار عدد الدورية في شهر "أكتوبر / تشرين الأول" القادم :

"Radiological examination of the “Braided Lady”: A CT-based case study of an Egyptian mummy"

"الفحص الإشعاعي لـ"السيدة المضفّرة": دراسة حالة قائمة على التصوير المقطعي المحوسب لمومياء مصرية"

ملخص المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "راديولوجي كيس ريبورتس" (Radiology Case Reports) الذي سينشر في إصدار عدد الدورية في شهر "أكتوبر / تشرين الأول" القادم :

"The Braided Lady, an ancient Egyptian mummy previously examined through radiography, was subjected to a high-resolution multidetector CT with 0.625-mm slice thickness and multiplanar and 3-dimensional reconstructions to assess mummification techniques and explore potential causes of death within a cultural and medical context. CT analysis confirmed prior findings of well-preserved osseous and soft tissue anatomy, incomplete evisceration, and the absence of excerebration, consistent with mummification practices reserved for nonroyal elites of the New Kingdom. Dental wear and pathology were observed, likely reflecting the abrasive diet of ancient Egyptians, and unique dental findings suggested participation in the ''Opening of the Mouth'' ritual. No acute skeletal trauma or disease was evident; ambiguous findings of calcifications may indicate chronic parasitic infection, but no definitive evidence was found for infectious or metabolic disease as cause of death. Despite limitations posed by tissue desiccation and lack of historical records, this multidisciplinary radiological assessment advances our understanding of ancient Egyptian funerary practices and demonstrates the value of modern noninvasive imaging in reconstructing the lives and deaths of archeological individuals."

"خضعت "السيدة المضفّرة"، وهي مومياء مصرية قديمة كان قد جرى فحصها سابقاً بواسطة التصوير الشعاعي، لتصوير مقطعي محوسب متعدد الكواشف عالي الدقة بسماكة شريحة بلغت 0.625 مم، مع إعادة بناء متعددة المستويات وثلاثية الأبعاد، وذلك لتقييم تقنيات التحنيط واستكشاف الأسباب المحتملة للوفاة في سياق ثقافي وطبي. وقد أكّد التحليل المقطعي المحوسب النتائج السابقة المتمثلة في سلامة التشريح العظمي والأنسجة الرخوة وحسن حفظهما، وعدم اكتمال نزع الأحشاء، وغياب استئصال الدماغ، بما يتوافق مع ممارسات التحنيط المخصصة لنخب غير ملكية في الدولة الحديثة. كما لوحظ تآكل الأسنان واعتلالاتها، مما يعكس على الأرجح النظام الغذائي الخشن للمصريين القدماء، وأشارت نتائج سنية فريدة إلى المشاركة في طقس "فتح الفم". ولم يتبيّن وجود أي رضح أو مرض عظمي حاد؛ وقد تشير نتائج ملتبسة تتمثل في تكلّسات إلى إصابة طفيلية مزمنة، غير أنه لم يُعثر على دليل قاطع على مرض معدٍ أو استقلابي كسبب للوفاة. وعلى الرغم من القيود التي فرضها جفاف الأنسجة وعدم توافر سجلات تاريخية، فإن هذا التقييم الإشعاعي متعدد التخصصات يدفع بفهمنا لممارسات الدفن المصرية القديمة إلى الأمام، ويبرهن على قيمة التصوير الحديث غير الباضع في إعادة بناء حياة الأفراد الأثريين ووفاتهم."

مصدر المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "راديولوجي كيس ريبورتس" (Radiology Case Reports) تجدونه في الرابط الثاني بأسفل المنشور :

الرابط الثاني بأسفل المنشور :

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S193004332600498X?utm_source=chatgpt.comimage about
 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ahmed Yasser تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

2

متابعهم

3

مقالات مشابة
-