كيف تتنبأ الأقمار الصناعية بالكوارث الطبيعية؟
كيف تتنبأ الأقمار الصناعية بالكوارث الطبيعية؟

فوق رؤوسنا بمئات الكيلومترات، تدور أقمار صناعية تراقب الأرض على مدار الساعة. لا تنام، ولا تتعب، وتلتقط باستمرار صورًا وبيانات عن الغلاف الجوي والبحار واليابسة والسحب والحرائق. وبفضل هذه العيون الموجودة في الفضاء، أصبح العلماء قادرين على مراقبة التغيرات التي تحدث على كوكبنا بطريقة لم تكن ممكنة في الماضي.
في أحد مراكز مراقبة الطقس، تصل صورة جديدة من قمر صناعي. تبدو في البداية مجرد مجموعة كبيرة من السحب فوق المحيط، لكن العلماء يعرفون أن الصورة تحمل تفاصيل كثيرة. درجات الحرارة، حركة السحب، كمية بخار الماء، واتجاهات الرياح، كلها معلومات يمكن أن تساعد في فهم ما يحدث في الغلاف الجوي.
تبدأ عملية التنبؤ بجمع البيانات.
الأقمار الصناعية تستخدم أجهزة استشعار مختلفة لرصد الأرض. بعضها يلتقط صورًا في الضوء المرئي، وبعضها يعمل بالأشعة تحت الحمراء أو تقنيات أخرى تسمح برؤية معلومات لا تستطيع العين البشرية رؤيتها.
ومن خلال هذه البيانات، يمكن متابعة تكوّن العواصف ومراقبة حركتها وتغير شدتها مع مرور الوقت.
تخيل مثلًا عاصفة تتشكل فوق المحيط. في الماضي، كان اكتشاف تطورها يعتمد بدرجة أكبر على محطات أرضية وسفن وطائرات ووسائل رصد محدودة. أما اليوم، فيمكن للقمر الصناعي أن يراقب النظام الجوي من الأعلى بشكل مستمر، ويرسل معلومات تساعد خبراء الأرصاد على تحليل مساره.
ولا تقتصر أهمية الأقمار الصناعية على العواصف.
في حالة الفيضانات، يمكن استخدام صور الأقمار الصناعية لمراقبة المناطق التي غمرتها المياه، ومقارنة صور المنطقة قبل الحدث وبعده. وتساعد هذه المعلومات في معرفة حجم الأضرار وتحديد المناطق المتأثرة، خصوصًا عندما يكون الوصول إليها صعبًا.
أما الحرائق، فتستطيع بعض الأقمار الصناعية اكتشاف المناطق ذات درجات الحرارة المرتفعة بصورة غير طبيعية. وباستخدام الصور المتتابعة، يمكن متابعة تغير مساحة المنطقة المتضررة ومساعدة فرق الطوارئ في الحصول على صورة واسعة عن الوضع.
ثم يأتي دور البراكين.
قبل أو أثناء النشاط البركاني، قد تحدث تغيرات في درجة حرارة سطح البركان أو شكله أو كمية الرماد والغازات المنبعثة منه. وتساعد الأقمار الصناعية المتخصصة في مراقبة بعض هذه المؤشرات من الفضاء، وهو أمر مهم خصوصًا في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
لكن ماذا عن الزلازل؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة. الأقمار الصناعية لا تستطيع حتى الآن أن تخبرنا باليوم والساعة التي سيحدث فيها زلزال محدد. لكنها تستطيع مراقبة بعض التغيرات في سطح الأرض.
وتستخدم تقنيات الرادار الفضائي لمقارنة صور مأخوذة في أوقات مختلفة، ويمكن أن تكشف هذه المقارنات عن تحركات أو تغيرات في سطح الأرض مرتبطة بالنشاط التكتوني. هذه المعلومات تساعد العلماء على دراسة الصدوع وفهم كيفية تحرك القشرة الأرضية.
ومع وصول كميات هائلة من البيانات، أصبح من الصعب الاعتماد على الإنسان وحده في تحليل كل شيء. لذلك تدخلت الحواسيب وتقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اكتشاف الأنماط وتحليل الصور بسرعة أكبر.
لكن الأقمار الصناعية لا تتنبأ بكل الكوارث بشكل مباشر، ولا تستطيع منع حدوثها. وظيفتها الأساسية هي المراقبة وجمع المعلومات وتحسين القدرة على اكتشاف المخاطر والاستعداد لها.
وتكمن قوتها الحقيقية في أنها تمنح العلماء رؤية واسعة وسريعة لكوكب كامل.
فمن الفضاء يمكن مراقبة سحابة تتطور فوق المحيط، أو حريق ينتشر في منطقة نائية، أو مياه تغمر مساحة واسعة، أو تغيرات تحدث في سطح الأرض.
وبينما تبدو الأقمار الصناعية لنا كنقاط صغيرة تتحرك في السماء، فإنها في الحقيقة تمثل واحدة من أهم أدوات الإنسان لفهم كوكبه.
إنها عيون لا تنظر إلى الأرض من بعيد فقط، بل تجمع معلومات تساعد البشر على الاستعداد عندما تبدأ الطبيعة في إظهار قوتها.
ومن الفضاء، أصبحت الأرض كتابًا مفتوحًا يقرأ العلماء صفحاته كل يوم، بحثًا عن إشارات قد تمنح الإنسان وقتًا ثمينًا للاستعداد قبل أن تتحول الظواهر الطبيعية إلى كوارث.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق