أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
نصائح وثقافة

من يبدو متواضعًا... ومن يكون كذلك؟

القيم الأخلاقية والدينية جوهر شخصية الإنسان، وبها تتشكل علاقاته ويُبنى نجاحه في المجتمع.

Habiba IsmailHabiba Ismailالكاتب 4 د للقراءة 0.00 المراجعات
من يبدو متواضعًا... ومن يكون كذلك؟

 

image about من يبدو متواضعًا... ومن يكون كذلك؟

        من يبدو متواضعًا…. ومن يكون كذلك 

   في زحام القيم التي تتشكل داخل المجتمع، قد تختلط بعض المفاهيم حتى نفقد قدرتنا على التمييز بينها وبين ما يشبهها في الظاهر، ومن بين هذه المفاهيم التواضع؛ تلك القيمة التي كان يُفترض أن تكون سلوكًا راسخًا في تعامل الإنسان مع غيره، لكنها أصبحت في كثير من الأحيان محاطة بحالة من الالتباس: نرى سلوكًا فنصف صاحبه بالتواضع، ثم تكشف مواقف أخرى أن ما ظنناه تواضعًا لم يكن بالضرورة كذلك.

    وهنا لا تصبح المشكلة في شخص بعينه، وإنما في مفهوم بدأ يفقد وضوحه داخل المجتمع. فقد أصبحنا أحيانًا نخلط بين التواضع وبين الهدوء، وبين البساطة وبين التواضع، بل وربما نعتبر بعض التصرفات المتكلفة دليلًا عليه، بينما يظل جوهر القيمة بعيدًا عن كل هذه المظاهر. ومع تكرار هذا الخلط يصبح من الطبيعي أن يختلف الناس في فهمهم للتواضع، وأن تتحول قيمة أخلاقية واضحة إلى مفهوم تتعدد حوله الصور والتفسيرات.

    ولعل ما يزيد الأمر تعقيدًا أن الإنسان يعيش بين صور كثيرة تُعرض أمامه كل يوم؛ صور لأشخاص يتحدثون عن البساطة، وآخرين يحرصون على الاقتراب من الناس، وغيرهم يستخدمون عبارات تبدو شديدة التواضع، لكن المواقف وحدها هي التي تمنح هذه الصورة معناها الحقيقي، فالقيمة لا تُقاس بما يظهر منها في لحظة عابرة، وإنما بما يستقر في السلوك ويتكرر دون حاجة إلى استعراض.

    ومن هنا تبدأ الحاجة إلى السؤال عن أسباب هذا الاضطراب: هل أصبحت المظاهر أسرع في الوصول إلى الناس من القيم نفسها؟ هل قصّرنا في تعليم أبنائنا معنى التواضع بوصفه خلقًا ومسؤولية في التعامل، وليس مجرد طريقة في الحديث أو هيئة أمام الآخرين؟ وهل ساهم المجتمع أحيانًا في مكافأة الصورة أكثر من الجوهر، حتى أصبح الإنسان يهتم بكيف يبدو للآخرين قبل أن يهتم بما يكون عليه فعلًا؟

     والأثر لا يتوقف عند حدود سوء الفهم؛ لأن القيم حين تفقد معناها الواضح ينعكس ذلك على العلاقات بين الناس. فإذا أصبح التواضع مجرد مظهر، تراجعت قيم أخرى مرتبطة به، مثل احترام الآخرين، وقبول الاختلاف، والقدرة على الاعتراف بالخطأ، والنظر إلى الإنسان باعتباره إنسانًا قبل أن يكون صاحب مكانة أو مال أو سلطة. وعندها يصبح المجتمع أكثر عرضة للخلط بين الاحترام الحقيقي والخضوع، وبين الثقة بالنفس والتعالي، وبين الاعتزاز بالإنجاز والشعور بالتفوق على الآخرين.

      ولإصلاح هذا الخلل، لا نحتاج إلى اختراع معنى جديد للتواضع، وإنما إلى استعادة معناه الذي عرفته القيم الدينية والإنسانية؛ فالدين لم يجعل التواضع انتقاصًا من الإنسان، ولم يجعله دعوة إلى إخفاء قدراته أو التقليل من شأن نفسه، وإنما جعله خُلقًا يمنع الكِبْر ويضبط علاقة الإنسان بغيره؛ أن يعرف الإنسان قدره دون أن يرى نفسه فوق الآخرين، وأن يمتلك ما يميزه دون أن يحوّل ذلك إلى وسيلة للانتقاص من غيره.

       وهنا يأتي دور التربية؛ فالأسرة هي المساحة الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يرى نفسه وكيف يرى الآخرين. وعندما ينشأ على أن احترام الإنسان لا يرتبط بماله أو منصبه أو مستواه الاجتماعي، يصبح التواضع بالنسبة إليه سلوكًا طبيعيًا لا قناعًا اجتماعيًا، ثم يأتي دور المدرسة والمجتمع في تثبيت هذه القيم من خلال القدوة والممارسة، لا من خلال الكلمات وحدها.

        كما أن المجتمع نفسه مسؤول عن الصورة التي يمنحها للقيم. فإذا أصبح تقدير الإنسان مرتبطًا بمكانته، وإذا صار الاهتمام بالمظهر أكبر من الاهتمام بالسلوك، فإننا نساهم دون قصد في استمرار الخلط؛ أما حين نُقدّر الاحترام، ونحترم الاختلاف، ونرفض التعالي أيًا كان مصدره، فإننا نعيد للتواضع مكانته باعتباره قيمة يعيشها الإنسان، لا صورة يقدمها عن نفسه.

         وفي النهاية، ليست القضية أن نبحث عن أشخاص نصفهم بالمتواضعين وآخرين ننزع عنهم هذه الصفة، وإنما أن نسأل أنفسنا: هل ما نراه تواضعًا اليوم يعبر فعلًا عن المعنى الذي نريده لهذه القيمة؟ فالتواضع ليس أن يبدو الإنسان صغيرًا في أعين الناس، ولا أن يخفي ما لديه من قدرات، وإنما أن يعرف قدره دون أن يجعل من قدره سببًا لانتقاص قدر غيره.
         وربما يبدأ إصلاح هذه القيمة من لحظة بسيطة: أن نتوقف عن سؤال أنفسنا كيف نبدو أمام الناس، ونبدأ بسؤال أهم: كيف نتعامل معهم عندما لا نحتاج منهم شيئًا؟

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق