أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
نصائح وثقافة

درجات المسؤولية.... من أين تبدأ

هل تساءلتم يومًا: أيُّ طريقٍ نمهّده لأبنائنا اليوم، قبل أن تبدأ درجاتهم في الظهور؟

Habiba IsmailHabiba Ismailالكاتب 7 د للقراءة 0.00 المراجعات
درجات المسؤولية.... من أين تبدأ

 

image about درجات المسؤولية.... من أين تبدأ

درجات المسؤولية …. من أين تبدأ

     لم تكن المشكلة يومًا في أن الطفل لا يعرف معنى المسؤولية، بقدر ما كانت في أننا كثيرًا ما ننتظر منه أن يعرفها دفعةً واحدة. نطالبه بها حين يكبر، ونندهش إذا لم نجدها في سلوكه، وكأن المسؤولية صفة تظهر فجأة في عمر محدد، لا سلوكًا يتكوّن بالتدريج مع الإنسان منذ سنواته الأولى ننسى أن الطفل لا ينتقل من الاعتماد الكامل إلى الاعتماد على النفس في لحظة واحدة، وإنما يعبر بينهما بخطوات صغيرة، تتسع كلما اتسعت قدرته على الفهم والفعل.


     ولأن المسؤولية لا تُرى وهي تنمو داخل الإنسان ربما نحتاج إلى حكاية نستطيع من خلالها أن نراقب خطواتها الأولى قبل أن تتحول مع مرور السنوات إلى أعباء وقرارات ومواقف أكبر؛ في بيت قديم هادئ كان جدٌّ يجلس كل مساء بالقرب من سُلّم خشبي يصل إلى غرفته في الطابق العلوي لم يكن السلم مميزًا في شكله، لكنه كان يحتفظ في ذاكرة الجد بحكايات كثيرة؛ فقد رأى عليه خطوات صغيرة مترددة، ثم خطوات أسرع، ثم خطوات ثابتة تعرف طريقها.


      كان حفيده يحب الجلوس إلى جواره، إلا أن ذلك المساء كان مختلفًا. جلس الطفل صامتًا، يحرك يديه في توتر، وينظر إلى الأرض كأنه يخشى أن تفضحه عيناه قبل أن يتكلم.
انتبه الجد إلى اضطرابه، لكنه لم يسأله بعجلة، ولم يطالبه بأن يبرر نفسه. انتظر قليلًا، ثم قال بهدوء:
«يبدو أن هناك شيئًا يزعجك.»
رفع الطفل عينيه، ثم خفضهما سريعًا.
«أنا خائف أن تقول لي إنني أخطأت.»
ابتسم الجد ابتسامة هادئة وقال:
«أخطأت، وهذا شيء يمكن أن يحدث. لكن أخبرني أولًا ماذا حدث.»
تردد الطفل، ثم بدأ يحكي. كان قد أُسند إليه أمر بسيط يستطيع القيام بجزء منه، لكنه انشغل عنه، وحين أدرك خطأه خاف أن يعترف به، فترك الأمر يزداد تعقيدًا بدلًا من أن يحاول إصلاحه.
استمع الجد حتى النهاية. لم يرفع صوته، ولم يحوّل الخطأ إلى محاكمة، وإنما سأله:
«والآن، ما الشيء الذي تستطيع أن تفعله لإصلاح ما حدث؟»
فكر الطفل قليلًا، ثم قال:
«أستطيع أن أفعل هذا... لكنني لا أعرف إن كنت سأستطيع إصلاح الباقي.»
قال الجد:
«إذن ابدأ بما تستطيع، وإذا وصلت إلى شيء لا تستطيع فعله، اطلب المساعدة.»


       بدأ الطفل يحاول أخطأ مرة، فعاد وحاول من جديد، وتوقف عند أشياء لم يعرف كيف يتعامل معها، فسأل جده عنها، كان الجد يترك له المساحة ليقوم بما يستطيع، ويتدخل فقط عندما يحتاج الأمر إلى مساعدة لا يستطيع الطفل تقديمها وحده، ومع كل خطوة كان الخوف يتراجع قليلًا، ويحل مكانه شعور آخر؛ شعور بأنه قادر على أن يفعل شيئًا بدلًا من أن يقف أمام الخطأ منتظرًا من ينقذه منه.
وحين انتهيا، عاد الطفل وجلس إلى جواره. كان وجهه أكثر هدوءًا هذه المرة.
قال الجد:
«كنت تظن أن المشكلة كلها في أنك أخطأت، أليس كذلك؟»
هز الطفل رأسه.
قال الجد:
«لكن المشكلة الحقيقية كانت أنك خفت من الخطأ أكثر مما فكرت في إصلاحه.»
ثم أشار إلى السلم الخشبي أمامهما.
«هل ترى هذا السلم؟»
نظر الطفل إليه وقال:
«نعم.»
قال الجد:
«لا أحد يصعده بقفزة واحدة. درجة واحدة في كل مرة. ولو طلبت منك أن تصعده كله دفعة واحدة، فلن تستطيع. ولو منعتك من صعود الدرجة الأولى لأنك ما زلت صغيرًا، فلن تتعلم كيف تصل إلى الثانية.»
ظل الطفل ينظر إلى السلم.
تابع الجد:
«وهكذا المسؤولية. لا تبدأ عندما تكبر، ولا تظهر فجأة عندما يصبح مطلوبًا منك أن تعتمد على نفسك. هي تكبر معك، مثل خطواتك تمامًا.»
سكت قليلًا، ثم قال:
«الإنسان منذ بدايات حياته لا يملك القدرة نفسها التي يملكها بعد سنوات. الطفل الصغير لا يستطيع أن يتحمل ما يتحمله الأكبر منه، لكنه مع ذلك يبدأ في التعرف إلى احتياجاته والتعبير عنها، ثم يتعلم شيئًا فشيئًا أن يقوم ببعض الأمور المناسبة لسنه وقدرته. ومع كل مرحلة، تتسع المساحة التي يستطيع أن يتحملها بنفسه.»
فهم الطفل أن المسؤولية ليست قائمة طويلة من الأوامر، وليست حملًا يُلقى على كتفيه لمجرد أنه أصبح في عمر معين. إنها شيء يتعلمه الإنسان كما يتعلم المشي؛ يبدأ بخطوات صغيرة، وقد يتعثر، ثم ينهض ويكمل.
قال الجد:
«أنت لم تصبح اليوم مسؤولًا لأنك فعلت شيئًا كبيرًا. أنت تتعلم المسؤولية كل مرة تعرف فيها أن هناك شيئًا تستطيع القيام به، ثم تختار أن تقوم به بدلًا من انتظار شخص آخر ليفعله عنك.»
ثم نظر إليه وقال:
«المسؤولية ليست أن لا تخطئ، وليست أن تفعل كل شيء وحدك. المسؤولية أن تعرف ما تستطيع فعله، وتفعله على قدر سنك وقدرتك، وإذا أخطأت تعرف كيف تصلح خطأك وتتعلم منه. اليوم هذه مسؤوليتك، وغدًا حين تكبر، ستكبر مسؤوليتك معك.»
ظل الطفل صامتًا للحظات، وكأنه يعيد ترتيب شيء ما في داخله. ثم نظر إلى السلم مرة أخرى، وقال:
«يعني أنا لم أكن صغيرًا على المسؤولية... أنا فقط كنت أتعلم درجة منها؟»
ابتسم الجد.
«بالضبط.»
 

       كانت تلك الجملة أبسط من أن تبدو درسًا، لكنها كانت تحمل معنى أكبر مما ظنه الطفل. فالمسؤولية لا تنتظر عمرًا محددًا حتى تبدأ، وإنما تنمو مع الإنسان منذ أن تبدأ لديه القدرة على الفهم والتعبير والفعل، وكلما اتسعت قدرته، اتسعت معها مسؤولياته، فالطفل في بدايات عمره يتعلم أن يعبّر عن احتياجاته، ثم يتعلم تدريجيًا أن يقوم ببعض شؤونه البسيطة بما يناسب سنه وتحت الإشراف المناسب.

      ومع مرور الوقت يصبح قادرًا على ترتيب أشيائه، والعناية بما يخصه، والالتزام ببعض واجباته، وتحمل نتائج اختياراته البسيطة، ثم مساعدته للآخرين وتحمل مهام أكبر. وما يبدو في كل مرحلة أمرًا صغيرًا، قد يكون في الحقيقة درجة جديدة على السلم، وهنا تظهر المشكلة التي كثيرًا ما تمر دون أن ننتبه إليها: حين نؤجل تدريب الطفل على كل ما يستطيع القيام به بحجة أنه ما زال صغيرًا، ثم نطلب منه فجأة، في مرحلة أكبر، أن يكون مستقلًا ومنظمًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته، فنحن نطلب منه الوصول إلى درجات لم يتدرب على صعودها.


      وفي المقابل، فإن المسؤولية لا تعني أن نحمّل الطفل ما يفوق سنه أو نجعله يتصرف كأنه شخص بالغ قبل أوانه. فكما أن من الخطأ أن نمنعه من صعود درجاته الصغيرة، من الخطأ أيضًا أن ندفعه إلى درجات لا تناسب قدرته المسألة إذن ليست في التعجيل بالمسؤولية، ولا في تأجيلها، وإنما في معرفة الدرجة التي يستطيع الطفل الوقوف عليها الآن فكل عمر له قدره، وكل مرحلة لها مسؤولياتها، وكل خطوة صغيرة يقوم بها الطفل بنفسه تمهّد لما بعدها. وما يتعلمه اليوم في أمر بسيط، قد يصبح بعد سنوات قدرة على اتخاذ قرار أكبر، وتحمل نتيجة اختيار، ومواجهة موقف دون أن ينتظر دائمًا من يتولى الأمر عنه.


      لهذا لا ينبغي أن تُفهم تربية الطفل على المسؤولية باعتبارها بحثًا عن طفل لا يخطئ، ولا طفل يقوم بكل شيء بمفرده، وإنما باعتبارها تدريبًا هادئًا على أن يعرف الإنسان حدوده وقدراته، وأن يؤدي ما يستطيع، وأن يطلب المساعدة عندما يحتاج إليها، وأن يتعلم من أخطائه بدل أن يخاف منها، فالغاية ليست أن نصنع طفلًا يحمل فوق كتفيه ما لا يحتمل، وإنما أن نمنحه في كل مرحلة الدرجة التي تناسبه، حتى يأتي اليوم الذي يستطيع فيه أن يصعد السلم كاملًا دون أن يشعر أن الطريق ظهر أمامه فجأة.


       وربما لهذا، فإن السؤال الأهم ليس: «متى يصبح الطفل مسؤولًا؟» وإنما: «ما الدرجة التي يستطيع أن يصعدها الآن؟»، فالمسؤولية لا تأتي يومًا وتطرق الباب معلنة وصولها، بل تكبر بصمت مع الإنسان؛ تبدأ صغيرة كخطوة، ثم تصبح عادة، ثم قدرة، ثم موقفًا، حتى يجد الإنسان نفسه يومًا قادرًا على حمل مسؤوليات كبيرة، لأنه لم يُطلب منه أن يقفز إليها... بل تعلّم منذ البداية كيف يصعد إليها، درجةً بعد درجة.

تابع جديد Habiba Ismail

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق