مراجعة عن كتاب الالياذة

مراجعة عن كتاب الالياذة

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

كتاب الإلياذة: 


 

كتاب الإلياذة 📘: 

تُعد الإلياذة واحدة من أشهر الملاحم التي عرفها الأدب العالمي، ومن أهم النصوص التي وصلت إلينا من العالم اليوناني القديم. وهي، إلى جانب «الأوديسة»، العمل الذي ارتبط اسمه تقليديًا بالشاعر الإغريقي هوميروس، وإن كانت شخصية هوميروس نفسها وطبيعة إسهامه في صياغة الملحمتين موضع نقاش طويل بين الباحثين فيما يُعرف بـ«المسألة الهوميرية».

والإلياذة ليست كتابًا عن الحرب بالمعنى البسيط للكلمة.

قد يقرأها القارئ للمرة الأولى فيظن أنه أمام ملحمة من المعارك والسيوف والخيول والآلهة والأبطال، لكنه عندما يتعمق فيها يكتشف أن الحرب ليست سوى المسرح الذي تظهر فوقه أسئلة أكبر بكثير: ما معنى المجد؟ ماذا يفعل الغضب بالإنسان؟ هل تستحق الشهرة أن يموت الإنسان من أجلها؟ وهل يستطيع البطل أن ينتصر على مصيره؟

وهنا تحديدًا تكمن عظمة الإلياذة.

ليست قصة حرب طروادة كاملة

من الأخطاء الشائعة التعامل مع الإلياذة وكأنها تسرد حرب طروادة منذ بدايتها حتى نهايتها.

الحقيقة أن الملحمة تركز على جزء محدد من السنة الأخيرة للحرب، وتدور أساسًا حول غضب أخيل وما يترتب عليه من نتائج. وهي في صورتها المعروفة مقسمة إلى أربعة وعشرين نشيدًا. ويُقدَّر عدد أبياتها في النص اليوناني بحوالي خمسة عشر ألفًا وستمئة بيت.

وهذا الاختيار الفني مهم جدًا.

فبدل أن يقول هوميروس: «سأحكي لكم كل ما حدث في حرب طروادة»، يبدأ من نقطة محددة ويجعل حدثًا واحدًا تقريبًا، هو غضب أخيل، مركزًا تتحرك حوله الشخصيات والأحداث.

أخيل، أعظم محاربي الإغريق، يدخل في خلاف شديد مع أجاممنون، قائد الجيش، بعدما يشعر أن كرامته قد أُهينت. فيقرر الانسحاب من القتال.

وقد يبدو الأمر في البداية مجرد خلاف بين رجلين متكبرين.

لكن النتائج تصبح كارثية.

غياب أخيل عن ساحة المعركة يمنح الطرواديين فرصة للتقدم، ويزداد الضغط على الجيش الإغريقي، ثم تتطور الأحداث إلى واحدة من أكثر المآسي شهرة في الأدب القديم: مقتل باتروكلوس، صديق أخيل ورفيقه.

عندها يتحول غضب أخيل.

في البداية كان غاضبًا بسبب الإهانة التي تعرض لها، ثم يصبح غضبه مرتبطًا بالفقد والانتقام. يعود إلى الحرب، ويواجه هكتور، أعظم محاربي طروادة، وتنتهي المواجهة بمقتل هكتور.

لكن الملحمة لا تنتهي عند لحظة الانتصار.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

أخيل: البطل الذي يعرف أنه سيموت

أخيل ليس مجرد «بطل خارق» بالمعنى الذي نفهمه اليوم.

إنه شخصية مأساوية.

يعرف أن أمامه خيارًا صعبًا: يمكنه أن يعيش حياة طويلة إذا ابتعد عن الحرب، أو أن يحقق المجد والشهرة الخالدة، ولكن حياته ستكون أقصر.

وهنا تضع الإلياذة الإنسان أمام سؤال مرعب:

هل يستحق المجد أن تدفع حياتك ثمنًا له؟

هذا السؤال لا يخص أخيل وحده.

إنه سؤال الإنسان الذي يريد أن يثبت نفسه بأي ثمن.

الإنسان الذي يضحي براحته من أجل الشهرة، أو يضحي بعلاقاته من أجل السلطة، أو يضحي بسنوات من حياته من أجل إنجاز يعتقد أنه سيخلده.

ولهذا تبدو الإلياذة قديمة جدًا وحديثة جدًا في الوقت نفسه.

فالأدوات تغيرت، لكن الإنسان لم يتغير بالقدر الذي نعتقده.

هكتور: البطولة من الجانب الآخر

إذا كان أخيل يمثل البطولة الفردية والغضب والمجد، فإن هكتور يمثل جانبًا مختلفًا من البطولة.

هكتور ليس مجرد مقاتل يريد الشهرة.

إنه ابن وملك ومحارب وزوج وأب.

وعندما نراه في الملحمة، لا نراه فقط وهو يحمل السلاح، بل نراه أيضًا داخل علاقاته الإنسانية.

وهنا يصبح الصراع أكثر تعقيدًا.

لأن القارئ لا يستطيع بسهولة أن يقول: هذا «بطل» وهذا «شرير».

الطرواديون ليسوا مجرد أعداء بلا مشاعر، والإغريق ليسوا أبطالًا مثاليين.

الجميع بشر.

الجميع يخافون.

الجميع يريدون المجد.

والجميع في النهاية معرضون للموت.

وهذه إحدى أعظم نقاط قوة الإلياذة: أنها لا تجعل الحرب لعبة بين الخير المطلق والشر المطلق، بل تعرض الإنسان في أقصى حالات قوته وضعفه.

الموت هو الشخصية الخفية في الإلياذة

قد يبدو غريبًا أن نقول إن الموت شخصية في الملحمة، لكنه حاضر في كل صفحة تقريبًا.

الأبطال يقاتلون من أجل المجد، لكنهم يعرفون أن أجسادهم ستسقط.

والأشخاص الذين يدخلون الحرب لا يدخلونها بوصفهم أسماء في كتاب تاريخ، بل بوصفهم أبناءً وآباءً وأزواجًا وأصدقاء.

ولهذا فإن المشاهد الأكثر تأثيرًا في الإلياذة ليست بالضرورة مشاهد القتال.

من أقوى المشاهد مشهد بريام، ملك طروادة ووالد هكتور، عندما يأتي إلى أخيل طالبًا منه أن يعيد إليه جثمان ابنه.

هنا يحدث شيء بالغ الإنسانية.

الرجل الذي قتل ابنه يقف أمام والده.

والملك يقف أمام المحارب.

والعدو يقف أمام الإنسان.

في تلك اللحظة، تتراجع الحرب قليلًا، ويظهر شيء أعمق منها: الحزن الإنساني المشترك.

وقد عُدَّ مشهد لقاء بريام وأخيل وتسليم جثمان هكتور من أكثر مشاهد الإلياذة تأثيرًا، لأنه يضع ألم الإنسان أمام فكرة البطولة والمجد.

لماذا بقيت الإلياذة حية؟

هناك آلاف الكتب التي كُتبت قبل قرون ثم اختفت.

فلماذا بقيت الإلياذة؟

لأنها لم تعتمد على الأحداث وحدها.

لو كانت مجرد قصة عن حصار مدينة، لربما أصبحت وثيقة تاريخية قديمة لا يقرأها إلا المتخصصون.

لكنها تعاملت مع أشياء لا تنتهي صلاحيتها:

الغضب.

الحب.

الغيرة.

الكرامة.

الخوف.

الموت.

الطموح.

الحسد.

الصداقة.

الحزن.

والرغبة في أن يترك الإنسان أثرًا بعد موته.

هذه الموضوعات لا تنتمي إلى عصر معين.

يمكنك أن تضع أخيل في عالم مختلف، وتغير السيوف إلى أسلحة حديثة، والخيول إلى سيارات وطائرات، وستظل بعض دوافع الشخصية مفهومة للإنسان المعاصر.

وهذا هو معنى الأدب العظيم.

إنه لا يخبرك فقط بما كان يفعله الناس في الماضي، بل يجعلك ترى نفسك في أشخاص عاشوا قبل آلاف السنين.

الإلياذة ليست مجرد ملحمة يونانية

وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا بالنسبة إلى القارئ العربي.

image about  مراجعة عن كتاب الالياذة

لقد دخلت الإلياذة إلى الثقافة العربية الحديثة عبر ترجمات وصياغات متعددة، وكان من أبرزها عمل سليمان البستاني الذي ترجمها شعرًا ونشر ترجمته عام 1904، ثم جاءت صياغة دريني خشبة نثرًا، وقد نُشرت على حلقات في ثلاثينيات القرن العشرين، مع اعتمادها على ترجمة إنجليزية بحسب ما يورده مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

وهنا لا نتحدث عن مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى.

الترجمة الأدبية عملية أكثر تعقيدًا.

عندما ينقل المترجم ملحمة يونانية قديمة إلى العربية، فإنه أمام مشكلة ضخمة:

كيف تجعل القارئ العربي يشعر بقوة النص دون أن يبدو النص وكأنه ترجمة آلية باردة؟

كيف تنقل الفخامة؟

كيف تنقل الحماسة؟

كيف تجعل الحوار بين الملوك والأبطال يبدو طبيعيًا في العربية؟

كيف تصف المعركة دون أن تفقد موسيقى اللغة؟

دريني خشبة اختار أن يتعامل مع هذه المشكلة بطريقة جعلت صياغته عربية المذاق والأسلوب.

فاستفاد من ثراء اللغة العربية ومن تراثها الأدبي، ومن الشعر العربي القديم، خصوصًا في مجالات الحرب والفخر والحماسة والغزل، كما استفاد من أساليب السرد في السير الشعبية العربية. وتذكر المصادر التي تتناول هذه الصياغة أنه استخدم في بعض المواضع تعبيرات مستمدة من مصادر كبرى في العربية، بما فيها القرآن الكريم.

وهنا تظهر براعة المترجم.

فهو لا يريد للقارئ أن يشعر أنه يقرأ نصًا يونانيًا مترجمًا كلمة بكلمة، بل يريد أن يشعر أنه يقرأ ملحمة مكتوبة بلغة عربية قوية.

عندما تلتقي طروادة باللغة العربية

يمكن أن نتصور المسألة بهذه الطريقة:

هوميروس كتب عالمًا يونانيًا قديمًا.

ثم جاء الزمن وحفظ هذا العالم.

ثم جاء مترجم عربي وفتح بابًا بين حضارتين.

فأصبح أخيل يتحدث العربية.

وأصبح هكتور يدخل في حوار عربي.

وأصبحت المعارك والمآسي التي جرت على سواحل بحر إيجه تصل إلى قارئ عربي بعد آلاف السنين.

وهذا أحد أجمل أدوار الترجمة في التاريخ.

الترجمة لا تنقل الكتب فقط.

إنها تنقل التجارب الإنسانية بين الحضارات.

ولهذا فإن قراءة الإلياذة بالعربية ليست مجرد قراءة لعمل يوناني قديم، بل هي أيضًا تجربة لمعرفة كيف استطاعت العربية أن تستوعب نصًا ينتمي إلى ثقافة مختلفة تمامًا، ثم تمنحه حياة جديدة داخل فضائها الأدبي.

حتى الرياضة موجودة في الإلياذة

ومن التفاصيل الجميلة التي قد يفوتها القارئ أن الإلياذة لا تتكون من المعارك فقط.

بعد موت باتروكلوس وإقامة مراسم جنازته، تُقام ألعاب ومسابقات تكريمية، تشمل سباقات العربات والملاكمة والمصارعة والعدو والرماية وغيرها، وتُمنح الجوائز للفائزين.

وهذا يكشف أن الإنسان القديم لم يكن يرى البطولة في الحرب فقط.

المنافسة الرياضية نفسها كانت وسيلة لإظهار المهارة والقوة والشرف.

وهنا يمكن أن نرى صلة غريبة بين عالم الإلياذة وعالمنا الحديث.

اليوم يجتمع الناس في الملاعب لمشاهدة الرياضيين يتنافسون على الجوائز والمجد.

وقبل آلاف السنين كان البشر أيضًا يتجمعون لمشاهدة مسابقات القوة والمهارة، وتُمنح الجوائز للفائزين.

لقد تغيرت القواعد.

لكن فكرة المنافسة من أجل المجد بقيت.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من الإلياذة؟

ربما أهم درس في الإلياذة ليس أن تكون قويًا مثل أخيل.

بل أن تفهم ثمن الغضب.

أخيل كان أقوى المحاربين تقريبًا، لكنه لم يكن قادرًا دائمًا على التحكم في غضبه.

والقوة التي لا يستطيع صاحبها التحكم فيها قد تتحول إلى نقطة ضعف.

وهذا درس معاصر جدًا.

قد تكون ذكيًا، لكنك تخسر بسبب غضبك.

قد تكون موهوبًا، لكنك تفسد فرصك بسبب غرورك.

قد تكون محبوبًا، لكنك تخسر شخصًا بسبب كبريائك.

وقد تكون على حق، لكن طريقة دفاعك عن حقك تجعلك تخسر أكثر مما تكسب.

الإلياذة تجعلنا نرى أن الإنسان لا يُختبر فقط عندما يكون ضعيفًا.

أحيانًا يُختبر عندما يكون قادرًا على الانتصار.

وهنا تصبح شخصية أخيل أكثر تعقيدًا.

فالسؤال ليس: هل يستطيع أن يهزم هكتور؟

بل:

ماذا سيفعل أخيل بقوته عندما ينتصر؟

وهذا سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا أيضًا.

في النهاية

الإلياذة ليست مجرد كتاب عن اليونان القديمة، ولا مجرد قصة عن طروادة، ولا مجموعة من المعارك بين أبطال أسطوريين.

إنها كتاب عن الإنسان.

عن الإنسان الذي يريد أن يُذكر.

عن الإنسان الذي يغضب عندما يشعر بالإهانة.

عن الإنسان الذي يحب صديقه.

عن الإنسان الذي يبكي عندما يفقد من يحب.

عن الأب الذي يريد جثمان ابنه.

وعن المحارب الذي يعرف أن المجد الذي يبحث عنه قد يكون هو نفسه الطريق إلى موته.

وربما لهذا بقيت الإلياذة حية طوال هذه القرون.

لأن هوميروس، سواء كان شخصًا واحدًا كما جرت العادة على نسبتها إليه، أو كان النص ثمرة تقليد شفهي طويل ومعقد، استطاع أن يضع داخل حكاية حرب قديمة أسئلة لا تزال تطارد الإنسان حتى اليوم.

كم يستحق المجد من حياتنا؟

هل القوة تجعل الإنسان أعظم، أم تكشف ما بداخله؟

هل يمكن للغضب أن يحوّل أعظم الأبطال إلى أسرى لأنفسهم؟

وهل ينتصر الإنسان حقًا عندما يهزم عدوه، أم عندما يستطيع أن ينتصر على نفسه؟

ربما لهذا السبب، بعد آلاف السنين، ما زلنا نفتح صفحات الإلياذة.

فنحن لا نبحث فيها عن طروادة فقط.

نحن نبحث عن الإنسان الذي كان يسكن طروادة... والذي لا يزال يسكننا حتى اليوم.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Haitem Laissani تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

5

متابعهم

5

مقالات مشابة
-