النسر المصري» لعلي الحجار: حرب أكتوبر في الذاكرة الرمزية للأغنية الوطنية
أغنية وطنية ملحمية قدّمها علي الحجار بصوته القوي المعروف، وتُعد من أبرز الأعمال التي تحتفي بالهوية المصرية والكرامة الوطنية.

ملامح الأغنية:
المعنى: النسر رمز للقوة والشموخ والسيادة، وتوظيفه هنا يعكس صورة مصر القادرة على النهوض والتحدي.
الأداء: يعتمد الحجار على مساحات صوتية واسعة ونبرة حماسية تُعزّز الطابع الملحمي.
الروح العامة: اعتزاز وطني، صمود، ودعوة للأمل والعمل.
لا يمكن قراءة أغنية «النسر المصري» بمعزل عن السياق التاريخي الذي تشكّلت فيه، وفي مقدّمته حرب أكتوبر 1973. فالأغنية لا تُقدَّم كنشيدٍ حربي مباشر، ولا كاحتفالٍ لحظي بالنصر، بل كنصٍّ ثقافي لاحق، يسعى إلى ترسيخ المعنى التاريخي للحرب بعد أن تحوّل الحدث العسكري إلى ذاكرة جمعية. ومن هنا، تكتسب الأغنية قيمتها لا باعتبارها تسجيلًا للمعركة، بل بوصفها إعادة تأويل رمزي لنتيجتها.
من الهزيمة إلى الاستعادة: الخلفية التاريخية الضمنية
ينبغي فهم الأغنية على خلفية المسار الممتد من هزيمة يونيو 1967 إلى نصر أكتوبر. هذا المسار لم يكن انتقالًا فجائيًا من الانكسار إلى القوة، بل عملية طويلة من إعادة بناء الثقة والقدرة.
تعكس الأغنية هذه الرؤية حين تتحدث عن جراح، وصبر، وانتظار، دون أن تسمّي الأسباب أو التفاصيل. فالمستمع الذي عاش التجربة لا يحتاج إلى الشرح؛ والرمز هنا يغني عن السرد.
النسر بوصفه صورة للجيش بعد العبور
يُوظَّف النسر في الأغنية باعتباره صورة مكثفة للجيش المصري في لحظة ما بعد أكتوبر. فهو طائر:
أُصيب ولم يُكسر
انتظر ولم يستسلم
عاد للتحليق بعد أن ظُنّ أنه سقط
هذا التصوير يتقاطع بوضوح مع السردية الرسمية والشعبية للحرب: جيش تعلّم من الهزيمة، وأعاد تنظيم نفسه، ثم اختار لحظته بعناية. ومن منظور المؤرخ الحديث، فإن هذا التحويل من الجيش الواقعي إلى الرمز هو آلية ثقافية تهدف إلى تثبيت صورة القوة في الوعي العام، بعيدًا عن تقلبات السياسة.
الصوت الملحمي ودوره في صناعة الذاكرة
يلعب أداء علي الحجار دورًا محوريًا في تحويل الأغنية إلى ما يشبه الإنشاد التاريخي. صوته لا ينفعل انفعالًا احتفاليًا، ولا يندفع نحو الشعارات، بل يحافظ على نبرة رصينة، أقرب إلى الإلقاء الجمعي.
ومن زاوية تاريخية ثقافية، يمكن اعتبار هذا الأداء جزءًا من مشروع أوسع بعد أكتوبر، هدفه تقديم النصر بوصفه حقيقة راسخة لا تحتاج إلى صخب لإثباتها.
الصمت عن العدو: ما بعد الثأر
من أبرز سمات الأغنية أنها لا تُسمي الخصم، ولا تُشيطنه، ولا تحتفي بهزيمته. هذا الصمت يعكس تحولًا في الخطاب الوطني بعد 1973: من خطاب الثأر إلى خطاب السيادة الهادئة.
فالنصر هنا لا يُقاس بإذلال الآخر، بل باستعادة الذات لقدرتها على الفعل. وهي رؤية أقرب إلى عقل الدولة، منها إلى انفعال الجماهير.
أكتوبر كذاكرة لا كحدث
بهذا المعنى، لا تتحدث «النسر المصري» عن حرب أكتوبر باعتبارها معركة وقعت، بل باعتبارها تحولًا في التاريخ الوطني. الأغنية تسهم في نقل الحرب من مستوى الخبر إلى مستوى الرمز، ومن سجل العمليات العسكرية إلى بنية الوعي الجمعي.
وهنا تكمن أهميتها: فهي لا تحفظ تفاصيل الحرب، بل تحفظ معناها.
خاتمة
وفق قراءة المؤرخ الحديث، تمثل أغنية «النسر المصري» إحدى الصيغ الثقافية التي أُعيد بها بناء صورة حرب أكتوبر في الوجدان المصري. إنها أغنية عن نصرٍ هدأ، وعن قوةٍ لا تصرخ، وعن جيشٍ عاد إلى التحليق بعد أن تعلّم معنى السقوط.
هي ليست شهادة على لحظة القتال، بل وثيقة رمزية عن ما بعد القتال، حيث يتحول الانتصار من حدث عسكري إلى هوية وطنية مستمرة.