«أولى القبلتين».. حين تحوّل صوت أصالة نصري إلى موقف تاريخي من القدس
أغنية «أولى القبلتين» لأصالة نصري: الفن حين يتحوّل إلى موقف تاريخي

مقدمة: حين يغنّي الصوت للقدس
ليست كل الأغاني مجرّد ألحان تُسمع، فبعضها يتحوّل إلى وثيقة وجدانية، تحفظ الذاكرة الجماعية وتعيد شحن الوعي في لحظات الانكسار. من هذا النوع تحديدًا تأتي أغنية «أولى القبلتين» التي أدّتها الفنانة السورية أصالة نصري، لتكون واحدة من أبرز الأعمال الغنائية العربية التي تناولت القدس والمسجد الأقصى بروح دينية وتاريخية وقومية في آن واحد.
الأغنية لا تكتفي بالرثاء أو البكاء، بل تنتمي إلى مدرسة الفن الذي يُذكّر، ويُحاكم، ويُقاوم بالكلمة والصوت.
أولًا: دلالة العنوان – «أولى القبلتين»
يحمل عنوان الأغنية شحنة رمزية كثيفة.
فـ أولى القبلتين هو المسجد الأقصى، أول قبلة صلّى إليها المسلمون قبل التحوّل إلى الكعبة، وهو ثالث الحرمين الشريفين، ومسرى النبي ﷺ.
اختيار هذا العنوان:
يرسّخ البعد الإسلامي العميق للقدس
يربط القضية الفلسطينية بالعقيدة، لا بالسياسة وحدها
يضع الأقصى في موضع المقدّس المنتهك، لا مجرد أرض متنازع عليها
العنوان نفسه بمثابة حُجّة تاريخية ودينية في وجه محاولات الطمس والتهويد.
ثانيًا: النص الغنائي – بين الدعاء والاحتجاج
يتميّز نص «أولى القبلتين» بلغة:
فخمة
مباشرة
مشبعة بالإشارات الدينية والتاريخية
النص لا يستخدم الرمز الغامض، بل يخاطب القدس خطابًا مباشرًا:
يشكو حالها
يستنكر صمت الأمة
يستدعي تاريخها المقدّس
وهو نص أقرب إلى القصيدة الدعائية-الاحتجاجية، حيث تتداخل:
مفردات الإيمان
نبرة الحزن
روح العتاب
لا نجد في النص ترفًا شعريًا فارغًا، بل التزامًا أخلاقيًا واضحًا، يجعل الأغنية أقرب إلى بيان وجداني.
ثالثًا: الأداء الصوتي – أصالة في ذروة التعبير
صوت أصالة نصري عنصر حاسم في نجاح الأغنية.
فهي من الأصوات القليلة القادرة على:
الجمع بين القوة والانكسار
الانتقال من القرار العميق إلى الجواب العالي دون افتعال
إيصال الألم دون صراخ
في «أولى القبلتين»:
لم تعتمد أصالة على الاستعراض الصوتي
بل وظّفت قدراتها لخدمة المعنى والموقف
بدا الأداء أقرب إلى الابتهال الغاضب منه إلى الغناء التقليدي
وهنا يتحوّل الصوت إلى وسيلة مقاومة رمزية.
رابعًا: البعد الديني والتاريخي للأغنية
الأغنية لا تتحدث عن القدس كمدينة فقط، بل:
كرمز للديانات السماوية
كمركز لصراع تاريخي ممتد
كمكان شهد تعاقب الأنبياء والإمبراطوريات
تستحضر الأغنية:
قدسية المسجد الأقصى
الذاكرة الإسلامية
الإحساس بالخسارة التاريخية
وبذلك تنجح في ربط الماضي بالحاضر، وتضع المستمع أمام سؤال ضمني:
كيف ضاعت أولى القبلتين في زمن الأحياء؟
خامسًا: الأغنية في سياق الفن العربي الملتزم
تنتمي «أولى القبلتين» إلى تقليد عربي قديم:
أغاني القدس
أناشيد المقاومة
الفن الملتزم بالقضايا الكبرى
وتقف في صف أعمال مثل:
«زهرة المدائن» لفيروز
«القدس لنا» لمحمد عساف
«أصبح عندي الآن بندقية» لأم كلثوم
لكن ما يميز أغنية أصالة:
صدورها في زمن عربي شديد التفكك
غناؤها من مطربة معروفة أساسًا بالأغنية العاطفية
ما جعلها موقفًا شجاعًا لا مجاملة جماهيرية
سادسًا: التلقي الجماهيري والدلالات السياسية
رغم أن الأغنية لم تُسوّق تجاريًا بقوة، إلا أنها:
لاقت احترامًا واسعًا
استُحضرت في مناسبات مرتبطة بالقدس
أعيد تداولها في لحظات التوتر حول الأقصى
وهو ما يؤكد أن:
الفن الملتزم لا يُقاس بالأرقام
بل بقدرة العمل على البقاء والاستدعاء
خاتمة: حين يصبح الغناء ذاكرة
أغنية «أولى القبلتين» ليست مجرد عمل غنائي، بل:
شهادة فنية على زمن الصمت
محاولة لإنقاذ القدس من النسيان
تذكير بأن القضايا الكبرى لا تموت طالما وُجد من يغنّي لها بصدق
في هذا العمل، لم تكن أصالة نصري مطربة فقط، بل شاهدة على الجرح، وصوتًا يرفض أن تتحوّل القدس إلى خبر عابر أو صورة موسمية.
وهكذا يثبت الفن، مرة أخرى، أنه حين يكون صادقًا، يصبح تاريخًا يُغنّى.