"غادة الصحراء": ثورة "شميم العرار" وإعادة كتابة التاريخ الشعري الأنثوي

"غادة الصحراء": ثورة "شميم العرار" وإعادة كتابة التاريخ الشعري الأنثوي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 غادة الصحراء: ثورة "شميم العرار" وإعادة كتابة التاريخ الشعري الأنثوي

image about

المقدمة:

هل ظلم التاريخ شاعرات العرب أم أن النتاج الأنثوي كان ضحية تهميش متعمد عبر العصور؟ يطرح هذا التساؤل إشكالية غياب "فوارس الشعر" من النساء مقارنة بالرجال، رغم تساويهن في الفطرة والمشاعر والقدرة على الوحي الشعري. ومع استيقاظ الجزيرة العربية وتدفق عطائها الأدبي، نجد أنفسنا أمام "غادة الصحراء" التي جاء ديوانها "شميم العرار" ليكون وثيقة إدانة للتاريخ الأدبي القديم، وإعلاناً عن ولادة عصر جديد يفرض فيه الصوت الأنثوي حضوره الطاغي والواثق.

 

إدانة التاريخ وإنصاف الموهبة:

 تشير أصابع الاتهام إلى أن التاريخ الأدبي أوغل في إجحاف شاعرات العرب، حيث لم يحتفظ لنا عبر القرون إلا بنزر يسير من إبداعاتهن. ومع ذلك، يفرض الواقع الحديث في الجزيرة العربية نفسه، مقدماً نماذج تتجاوز التهميش التاريخي. إن شاعرتنا، التي اختارت التخفي وراء لقب "غادة الصحراء"، تقدم باكورة إنتاج تمثل طرازاً فريداً من الشعر الغزلي البحث، الذي ينساب بعفوية ورقة من الغلاف إلى الغلاف، معيدة بذلك الاعتبار للمرأة كذات شاعرة لا مجرد موضوع للشعر.

عتبة النص ودلالة "شميم العرار":

 اختارت الشاعرة لعنوان ديوانها اسماً يحمل عبق التراث وجمال نجد، مستلهمة البيت الشهير "تمتّع من شميم عرار نجد.. فما بعد العشية من عرار". هذا الاختيار ليس مجرد أناقة لفظية، بل هو تجسيد لوجدانها الذي يربط بين أصالة المكان وحداثة التجربة. الديوان بصفحاته الـ 168 يمثل وحدة موضوعية متماسكة، حيث تغلبت أناقة المخبر والمحتوى على أناقة المظهر، ليقدم تجربة غزليّة خالصة قلّما نجدها في دواوين الشاعرات المعاصرات.

الريادة في "غرض الغزل":

 تبرز ريادة "غادة الصحراء" في كونها صبت عصارة فكرها في ديوان كامل ذي موضوع واحد هو "الغزل". وإذا كان هذا التخصص مألوفاً عند نزار قباني أو فؤاد الخشن، فإنه بالنسبة لشاعرة تنتمي لبيئة محافظة يعد خطوة جريئة تتفلت من القيود الموروثة. لقد باحت الشاعرة بما هو أبلغ من الكلمات، ناثرة عشقاً وتولهاً لم يعتده المجتمع من "ذوات الخفر"، وهو ما يفسر لجوءها إلى اللقب بدلاً من الاسم الصريح حمايةً لهذا البوح الصادق والمتمرد.

تجسيد الطبيعة ومناجاة الأصيل: 

في قصيدتها "شمس الأصيل"، تتجلى قدرة الشاعرة على تجسيد الأشواق عبر مظاهر الطبيعة. هي لا ترى الشمس مجرد جرم سماوي، بل تراها "قرصاً تناهى الحسن فيه"، وتناجيها بوجدان مستعر ألا تغيب كما غابت "شمسها" البشرية التي تاهت عنها. هذا الربط بين تقلبات الطبيعة وانكسارات العاطفة يعكس عمقاً في الوعي الباطن، حيث تظل العاطفة هي السلطان المطلق الذي يترجم لغة الروح إلى صور شعرية نابضة.

هيكلية الديوان والنزوع نحو التجديد: 

يتسم الديوان بتقسيمات عناوين لافتة مثل "زهر الشوك"، "صهباء"، و"نشوة الرمال"، مما يعكس رغبة عارمة في التجديد الشكلي والمضموني. ورغم أن بعض العناوين قد تبدو بعيدة عن مضامينها في الظاهر، إلا أنها تعكس تشتتاً ذهنياً وعاطفياً مقصوداً يحاكي طبيعة التجربة الإنسانية المعقدة. هذا النهج التجديدي تناول الصورة والتعبير، فجاء الشعر على مستوى رفيع يهز الشعور ويرهف الإحساس بتراكيب لغوية مبتكرة.

قلب الموازين: الرجل كمصدر إلهام:

 إن أبرز ملامح التجديد عند "غادة الصحراء" هو تفلتها من الدور التقليدي للمرأة كـ "ملهمة"، لتصبح هي "المريدة" والرجل هو "الموحي". لقد عكست المفهوم السائد وتغزلت بالرجل بأساليب تضارع فحول الشعراء، كما في قصيدتها "عيناك" التي تفيض انفعالاً أنثوياً زاخراً. هذا الاتجاه يجعل منها رائدة للشعر الأنثوي العاطفي في الجزيرة العربية، مقدمةً تجربة موضوعية تختلف جذرياً عن تجربة الرجل، وتخاطب وجدان "الجنس الناعم" بصدق لا مواربة فيه.

ولنقرأ لشاعرتنا في ـ عيناك :

فيهما اليم والسحاب وهذا              

                                        المنتهي والزوارق الذاهبات

 والأصيل الفتان مذ طاب       

                                       في الضوء رحيل وطابت الأمسيات

 يا حبيبي عيناك أجمل هذا             

                                                  الكون . . أبهى ما غنَّتْ الذكريات

 فيهما أنجم نثرن كما تنثر              

                                                          في الكون . . أنجم مقمرات 

يا حبيبي أهواك فجراً وصبحاً           

                                       وأصيلا ما كرت الأوقات

 لم تنأى؟ لصوت بعدك صوت  

                                                           لا الاسى مثله ولا الانات

 قدر شاء ان تضم عذارى         

                                                          مثلما ضمت المساء الصلاة

 بفؤادي من الشكوك نبال              

                                                            وبقايا من نوى نائحات

 أيها المسدل السواد وانت الانجم        

                                                            الغر، انجمي الباديات

أين ذاك اللقاء غنى بنا الليل             

                                                   وشالت وطارت الساعات

 أين زنداك يبسطان لي السعد         

                                                 وتحلو وتزهر القبلات

 قبلات كما الفراشات حطت    

                                                  ثم شالت فهي الجذى الناعمات

 ثم عطف ورحمة ويعود الكون     

                                          لا ادمـــــــــــــــع ولا حســــــــــــــــرات 

حبنا من أصيل ما حب القرأن                

 وســــــــام ومــــــــا ســــــــواه افتئـات

 

الخاتمة:

إن ديوان "شميم العرار" ليس مجرد ديوان شعر، بل هو صرخة وجدانية تثبت أن المرأة قادرة على قيادة دفة الشعر الغزلي بأصالة وعمق. "غادة الصحراء" استطاعت أن تكسر صمت القرون، وتضع بصمة أنثوية في سجل الأدب العربي الحديث، مبرهنة على أن العاطفة الصادقة حين تجد لغة رفيعة، فإنها قادرة على هز عرش التقاليد الجامدة وفرض واقع أدبي جديد يليق بمكانة المرأة المبدعة.

 

التوصيات:

دراسة النقد النسوي: ضرورة تسليط الضوء نقدياً على الدواوين الأنثوية التي تتخذ من الغزل غرضاً وحيداً، لفهم سيكولوجية البوح الأنثوي في البيئات المحافظة.

توثيق الأدب المجهول: دعوة الباحثين للبحث في الآثار الشعرية المنسية لشاعرات الجزيرة العربية اللواتي قد يكون اللقب قد حجب أسماءهن الحقيقية.

تطوير ذائقة المتلقي: تشجيع القراءة الواعية للشعر الأنثوي بعيداً عن الأحكام المسبقة المرتبطة بالقيود الاجتماعية، والتركيز على القيمة الفنية والجمالية للنص.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1062

متابعهم

652

متابعهم

6686

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.