تأثير الألوان في المرضى والحالة النفسية
تأثير الألوان في المرضى والحالة النفسية
الحقيقة أن تصميم المستشفيات أصبح جزءًا مهمًا من مفهوم البيئات العلاجية أو Healing Environments، وهو توجه يهتم بكيفية تأثير البيئة بالمريض في تجربته أثناء تلقي الرعاية الصحية. وتشمل هذه البيئة الإضاءة، توزيع الغرف، الطبيعة، الأثاث، الصور، والألوان.وتشير مراجعات علمية إلى أن البيئة المادية للمستشفى يمكن أن ترتبط بمستويات القلق والتوتر والراحة والرضا لدى المرضى.
هل اختيار ألوان المستشفيات له أساس علمي؟
ارتبط تصميم المستشفيات بالألوان البيضاء والفاتحة باعتبارها تعكس الضوء وتعطي إحساسًا بالنظافة والنظام. لكن التصميم الحديث بدأ يتجاوز فكرة أن المستشفى يجب أن يكون أبيض بالكامل، وأصبحت بعض المنشآت تستخدم درجات أكثر دفئًا وهدوءًا، إلى جانب ألوان مميزة .والسبب ليس أن هناك لونًا سحريًا يشفي المرضى، وإنما لأن البيئة البصرية جزء من التجربة النفسية للمريض. وقد نشرت دراسة حديثة بعنوان The Impact of Color in Healthcare Environments المتعلقة بتأثير الألوان في بيئات الرعاية الصحية، بعد فحص أكثر من 3000 عنوان ودراسة. وخلصت إلى أن اختيار اللون وطريقة استخدامه والسياق البيئي المحيط به عوامل مهمة.
الدراسة: The Impact of Color in Healthcare Environments – مراجعة منهجية
لماذا تنتشر الألوان الهادئة في المستشفيات؟
من أكثر الملاحظات شيوعًا في تصميم المستشفيات استخدام درجات مثل الأزرق الفاتح، الأخضر الهادئ، البيج، الرمادي الفاتح والألوان المحايدة.لكن استخدام هذه الدرجات لا يعني بالضرورة أن لها تأثيرًا طبيًا مباشرًا. غالبًا ما يرتبط اختيارها بالرغبة في إنشاء بيئة بصرية غير مرهقة، خصوصًا أن المريض قد يقضي ساعات أو أيامًا في المكان.وتختلف الاستجابة للألوان من شخص إلى آخر، كما يمكن أن تتأثر بدرجة الإضاءة، التشبع، مساحة اللون، الألوان المحيطة به، وتجارب الشخص السابقة.لذلك فإن اللون الهادئ قد يكون مناسبًا في غرفة المريض، بينما قد تحتاج منطقة أخرى إلى لون أكثر وضوحًا للمساعدة في تحديد الاتجاهات أو تمييز الأقسام.
لماذا لا تستخدم المستشفيات الألوان القوية في كل مكان؟
الألوان شديدة السطوع يمكن أن تكون مفيدة في بعض الأماكن، خصوصًا عندما يكون الهدف هو جذب الانتباه أو تحديد منطقة معينة.لكن استخدامها في جميع أنحاء المستشفى قد يؤدي إلى بيئة بصرية أكثر ازدحامًا. لأن الهدف من التصميم ليس جعل المكان "ملونًا" فقط، وإنما تحقيق توازن بين الراحة البصرية والوضوح الوظيفي.ولهذا قد تستخدم الألوان الأكثر وضوحًا في عناصر محددة، مثل الإشارات والخرائط ومداخل الأقسام، بدلًا من تغطية المساحات كلها بها.
الألوان والقلق: هل يمكن أن تساعد البيئة البصرية المريض؟
القلق من أكثر المشاعر المرتبطة بتجربة المستشفى، ولذلك يهتم الباحثون بتصميم بيئة تساعد على تقليل مصادر التوتر.دراسه حول تصميم البيئة الداخلية للمستشفيات وجدت أن بعض التدخلات المتعلقة بالبيئة البصرية والسمعية ارتبطت بانخفاض القلق والألم والتوتر لدى المرضى. لكن هذه الدراسات تناولت عناصر متعددة، ولذلك لا يمكن نسب النتائج إلى اللون وحده. الدراسة على PubMed: Effects of environmental design on patient outcome وهذه نقطة جوهرية: المستشفى المريح ليس مجرد مستشفى مطلي بألوان جميلة.الإضاءة، الضوضاء، الخصوصية، توزيع الغرف، سهولة الحركة، وجود النوافذ والطبيعة، ونوعية الأثاث كلها يمكن أن تتفاعل مع اللون لتكوين التجربة الكاملة.
دراسة عن الضوء واللون في أقسام الطوارئ
من الدراسات المهمة في هذا المجال دراسة شبه تجريبية بحثت في إدراك المرضى وأفراد أسرهم للدعم الذي يوفره الضوء واللون في قسم للطوارئ قبل وبعد تدخل تصميمي . استخدم الباحثون استبيانًا متخصصًا لتقييم جوانب مثل الإحساس بالأمان، القدرة على التوجيه، الخصوصية، والقدرة على التعامل مع البيئة. وشملت الدراسة 400 استجابة من مرضى وأفراد أسر قبل وبعد إعادة تصميم القسم. الدراسة كاملة على PubMed: The Perceived Support From Light and Color Before and After an Evidence-Based Design Intervention وتوضح هذه الدراسة لماذا يجب التعامل مع اللون والضوء باعتبارهما جزءًا من التصميم الكلي، وليس عنصرين منفصلين .
هل يفضل المرضى ألوانًا معينة داخل المستشفى؟
هناك دراسة منشورة في PubMed بحثت في تفضيلات المرضى للألوان داخل المستشفى. وجدت الدراسة اختلافًا في التفضيلات بحسب العنصر المكاني؛ فظهرت درجات مثل البيج في مقدمة بعض تفضيلات الجدران والأرضيات والستائر والأثاث، بينما ظهرت ألوان مثل الأخضر والأبيض في بعض العناصر الأخرى.لكن الباحثين حذروا من تحويل النتائج إلى قواعد مطلقة بسبب اختلاف التفضيلات، وأكدوا أهمية أخذ رغبات المرضى في الاعتبار إلى جانب عوامل الإضاءة والتصميم. الدراسة: Patient-related color preference and color design in the hospital – PubMed وهذا يوضح أن السؤال الصحيح ليس: "ما أفضل لون للمستشفى؟"، بل: “ما اللون الأنسب لهذا المكان ولهؤلاء المستخدمين ولهذه الوظيفة؟”
ماذا تقول الأبحاث الحديثة عن تصميم المستشفيات؟
تتجه الأبحاث الحديثة نحو فكرة أوسع من مجرد اختيار لون الجدران.دراسه منشورة عام 2024 حول البيئة الداخلية وتصميم المنشآت الصحية تناولت مجموعة من العوامل المؤثرة في تجربة المرضى، مع التركيز على العلاقة بين خصائص المبنى ورفاه المرضى. كما أشارت إلى الحاجة إلى تصميمات قابلة للتكيف مع احتياجات المستخدمين المختلفة. مراجعة 2024 حول تصميم المنشآت الصحية ورفاه المرضى
الخلاصة: لماذا تستخدم المستشفيات ألوانًا معينة؟
يحاول التصميم الحديث استخدام الألوان بطريقة تساعد على خلق بيئة أكثر راحة ووضوحًا، مع الاستفادة من خصائص اللون البصرية والنفسية .والأبحاث الحالية تدعم فكرة أوسع: البيئة المحيطة بالمريض مهمة، وقد تؤثر عناصرها المختلفة في تجربة الرعاية الصحية، لكن تأثير اللون تحديدًا يحتاج إلى مزيد من الدراسات القوية التي تفصله عن الإضاءة والطبيعة والضوضاء والتخطيط الداخلي وغيرها. لذلك، السؤال الأكثر دقة هو: كيف يمكن استخدام اللون، إلى جانب بقية عناصر التصميم، لصناعة مستشفى يشعر فيه الإنسان بأنه في مكان مريح قدر الإمكان؟
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق