ما يتركه الغياب
ما يتركه الغياب

ليس الغياب دائمًا طريقًا إلى النسيان، كما نظن للوهلة الأولى. بل أحيانًا يفعل العكس تمامًا، فيصبح الغياب نفسه سببًا للبقاء.
كلما ابتعد شخص عن أعيننا، ازداد حضوره في ذاكرتنا؛ لأن العقل البشري لا يتعامل مع الغياب كفراغ بارد يجب تجاهله، بل كمساحة ناقصة يجب أن يملأها. فيبدأ بملئها بالصور القديمة، والكلمات العالقة، والمواقف الصغيرة التي لم نكن نلقي لها بالاً حين كانت تحدث.
نستعيد في غيابهم ما قيل، وما لم يُقل، وما كان يمكن أن يحدث لو بقينا لحظة أخرى. وكأن الغياب يوقظ في الذاكرة كلامًا لم يُكتب له أن يُقال، ويعيد ترتيب المشهد من جديد، فنرى تفاصيل لم نرها من قبل.
ولعل الشعر، بما يملكه من صدق، عبّر عن هذا الحضور الطاغي رغم البعد:
ولي فيك ما لم يقل قائلٌ
وما لم يسر قمرٌ حيث سارا
فلو خُلق الناس من دهرهم
لكانوا الظلام وكنت النهارا.
في لحظات معينة، قد يصبح الغائب أكثر حضورًا من الحاضر نفسه. يصبح هو حديث النفس، وضيف الخيال، والمقيم الدائم في القلب، بينما من هم حولنا مجرد عابرين.
لكن الزمن، بطبيعته الهادئة والقاسية في آن واحد، يعمل في الاتجاه الآخر أيضًا.
ما لا نراه طويلًا، ولا نسمع صوته، ولا نعيشه من جديد، يبدأ بالتراجع داخلنا رويدًا رويدًا. ليس دفعة واحدة، بل على مهل. تخف حدة التفاصيل أولاً، فلا نعود نتذكر نبرة الصوت بدقة، ثم تتغير المشاعر، فيصبح الشوق أقل حدة، حتى نكتشف ذات صباح أن ما كان يؤلمنا كل يوم، ويوقظنا كل ليلة، أصبح مجرد ذكرى تمر من بعيد، بلا ألم.
فماذا يفعل الغياب إذن؟ ما هو سره الحقيقي؟
إنه يختبرنا. يعزز الاشتياق حين يكون الرابط حيًا، وصادقًا، ومتجذرًا في القلب، فكل يوم غياب يزيده قوة. ويساعد على النسيان حين يتوقف ذلك الرابط عن التجدد، حين يكون الحب قد استنفد رصيده، أو حين يكون التعلق مجرد عادة لا أكثر.
وهنا تصبح العودة بعد الفراق هي أكثر اللحظات صدقًا وكشفًا.
فنحن حين نعود، لا نعود إلى الشخص وحده؛ نعود أيضًا إلى الصورة التي احتفظنا بها عنه طوال فترة غيابه، الصورة التي جمّلناها، أو التي شوهناها، في خيالنا.
وقد تكون المفاجأة أن تلك الصورة بقيت كما هي، بينما الإنسان الحقيقي تغيّر تمامًا. سار في طريق آخر، وأصبح شخصًا لا نعرفه.
أو قد تكون المفاجأة الأكبر، أن الإنسان بقي كما هو تمامًا، بقلبه وطيبته، بينما نحن الذين تغيرنا. لم نعد نحن من كان ينتظر.
ولهذا، ليست كل عودة استئنافًا لما انقطع. بعض العائدين يعيدون إلى القلب شعوره القديم في لحظة واحدة، كأن الفراق لم يكن. وبعضهم، بمجرد حضورهم، يجعلنا ندرك أن الغياب لم يكن انتظارًا لهم، بل كان شفاءً بطيئًا لم ننتبه إليه، وكان رحمة خفية.
ربما لهذا لا تكون المسافة الحقيقية بين شخصين بعدد الأيام أو الشهور التي افترقا فيها. المسافة الحقيقية تُقاس بمقدار ما تغيّر كل واحد منهما أثناء الغياب.
فالاشتياق يقول إن شيئًا ما زال حيًا في الداخل.
والنسيان يقول إن الحياة استطاعت أن تمضي رغم كل شيء.
أما العودة، فهي وحدها التي تكشف أيهما كان أقوى وأصدق.
وفي خضم هذه المشاعر المتضاربة، يبقى هناك ما يجدد فينا القدرة على المضي، ويمنح الروح مساحة جديدة لتتنفس:
أُعَلِّلُ النَّفْسَ بِالآمَالِ أَرْقُبُهَا
مَا أَضْيَقَ العَيْشَ لَوْلا فُسْحَةُ الأَمَلِ.
فبالأمل تتعافى الروح من بعض آلامها، وتستعيد رغبتها في الحياة والعمل والإبداع. وبين ما يتركه الغياب من أسى، وما يعيده الحضور من دفء، يبقى العقل الواعي قادرًا على أن يوازن بين الحنين والواقع؛ فلا يقتل الاشتياق، ولا يسمح له أن يوقف الحياة.
.الخلاصه:
ليس كل بابٍ مفتوح يعني أننا مستعدون للمغادرة؛ أحيانًا يبقى القلب متمسكًا بمكانه، بينما يفكر العقل في الرحيل.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق