لماذا ننسى أحلامنا بعد الاستيقاظ بدقائق؟ السر الذي يحاول العلماء
لماذا ننسى أحلامنا بعد الاستيقاظ بدقائق؟ السر الذي يحاول العلماء فهمه
هل استيقظت من النوم يومًا وأنت متأكد أنك كنت تحلم، وربما كنت تتذكر تفاصيل الحلم بوضوح شديد، ثم بعد دقائق قليلة اختفت معظم التفاصيل؟
قد تتذكر وجه شخص، أو مكانًا غريبًا، أو شعورًا قويًا، لكنك تعجز عن تذكر ما حدث بالضبط.
الغريب أن الحلم ربما كان يبدو حقيقيًا ومليئًا بالتفاصيل أثناء النوم، ومع ذلك يمكن أن تتلاشى ذكراه بسرعة كبيرة بعد الاستيقاظ.
فلماذا يحدث ذلك؟ وهل يعني نسيان الحلم أننا لم نحلم أصلًا؟ وهل هناك طريقة تساعدنا على تذكر أحلامنا لفترة أطول؟
هل نحلم طوال الليل؟

من الشائع ربط الأحلام بمرحلة نوم حركة العين السريعة، أو ما يعرف باسم REM، وهي مرحلة تحدث عدة مرات أثناء الليل وترتبط غالبًا بأحلام واضحة وحية.
لكن الصورة العلمية أكثر تعقيدًا من ذلك. فقد أظهرت دراسة منشورة في مجلة Nature Neuroscience عام 2017، بقيادة الباحثة Francesca Siclari وزملائها، أن المشاركين أبلغوا عن تجارب حلمية بعد إيقاظهم من كلٍّ من نوم حركة العين السريعة (REM) ونوم حركة العين غير السريعة (NREM). واستخدم الباحثون تخطيطًا عالي الكثافة لنشاط الدماغ، ووجدوا ارتباطًا بين وجود التجربة الحلمية وتغيرات في النشاط منخفض التردد في مناطق خلفية من القشرة الدماغية.
لذلك، فالأدق علميًا أن نقول إن الأحلام أو التجارب الحلمية لا تقتصر على مرحلة REM وحدها، رغم أن REM ترتبط كثيرًا بالأحلام الحية وتُدرس على نطاق واسع في أبحاث النوم. وما زال الباحثون يدرسون كيف تختلف التجارب الحلمية بين مراحل النوم المختلفة.
وهذا يعني أن الاعتقاد بأن الإنسان "لا يحلم إلا أثناء REM" ليس دقيقًا.
لماذا ننسى الحلم بهذه السرعة؟
أحد التفسيرات العلمية هو أن تذكر الحلم يمر بأكثر من مرحلة، وليس مجرد وجود الحلم أثناء النوم. ففي مراجعة علمية منشورة في Psychological Research عام 2023، أوضحت الباحثة Georgina Nemeth أن عملية تذكر الحلم يمكن النظر إليها من خلال ثلاث مراحل رئيسية: حدوث التجربة الحلمية، ثم تكوين أثر لها في الذاكرة، ثم استرجاع هذا الأثر بعد الاستيقاظ. ويمكن أن تؤثر عوامل مختلفة في كل مرحلة، لذلك فإن عدم تذكر الحلم لا يعني بالضرورة أن تجربة حلمية لم تحدث.
وبالتالي، فإن اختفاء تفاصيل الحلم بعد الاستيقاظ لا يمكن تفسيره بسبب واحد مؤكد. فقد تتداخل عمليات الذاكرة والانتباه وظروف الاستيقاظ مع الطريقة التي يتم بها الاحتفاظ بتجربة الحلم واسترجاعها. وما زالت هذه الآليات موضع دراسة علمية.
وقد اقترح الباحثون أن تذكر الحلم يعتمد على عدة خطوات: أن تحدث التجربة أولًا، ثم يتم الاحتفاظ بأثر منها في الذاكرة، ثم يستطيع الشخص استرجاع هذا الأثر بعد الاستيقاظ. وإذا فشلت أي مرحلة من هذه المراحل، فقد لا يبقى شيء واضح يمكن تذكره.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا قد تشعر بأنك كنت تحلم، لكنك لا تستطيع تذكر القصة نفسها.
لحظة الاستيقاظ قد تكون أهم مما تتخيل
قد تكون الدقائق الأولى بعد الاستيقاظ مهمة في دراسة تذكر الأحلام، لأن الباحثين يستطيعون الحصول على معلومات أكثر مباشرة عندما يُطلب من الشخص وصف تجربته فور الاستيقاظ بدل الاعتماد على تذكرها بعد فترة طويلة.
وتدعم مراجعة علمية منشورة عام 2025 هذه الفكرة؛ فقد راجع الباحثون 69 دراسة استخدمت إيقاظ المشاركين من مراحل مختلفة من النوم بين عامي 2000 و2024، ووجدوا أن طريقة الاستيقاظ وظروف جمع التقارير يمكن أن تؤثر في مقدار ما يتم الإبلاغ عنه من تجارب النوم. كما أشار الباحثون إلى أن الفروق الفردية بين الأشخاص تلعب دورًا أيضًا.
لذلك، لا يمكن القول إن تفاصيل الحلم تختفي حتمًا خلال عدد محدد من الدقائق عند الجميع، لكن من الواضح أن طريقة وتوقيت الاستيقاظ وطريقة جمع المعلومات يمكن أن تؤثر في القدرة على تذكر التجربة الحلمية.
ولهذا فإن الشخص الذي يحاول استرجاع حلمه فور فتح عينيه قد يتمكن أحيانًا من تذكر تفاصيل أكثر من شخص يبدأ يومه مباشرة دون التفكير في الحلم.
هل للذاكرة علاقة بنسيان الأحلام؟

توجد بالفعل أدلة تجريبية على وجود علاقة بين نشاط الدماغ أثناء النوم والقدرة على تذكر الأحلام.
في دراسة منشورة في Nature Neuroscience، استخدم الباحثون تسجيلات عالية الكثافة لنشاط الدماغ مع إيقاظ المشاركين خلال النوم. ووجدوا أن بعض أنماط النشاط الكهربائي في الدماغ كانت مرتبطة باحتمالية تذكر تجربة حلمية بعد الاستيقاظ. كما وجدت دراسة أخرى أن نشاطًا معينًا في مناطق أمامية من الدماغ أثناء نوم REM ارتبط بزيادة احتمال تذكر الحلم بعد الاستيقاظ.
لكن هذه النتائج لا تعني أن العلماء يستطيعون تحديد ذكرى حلم معينة أو تفسير محتوى حلم شخص بعينه من نشاط الدماغ وحده. إنها توضح فقط أن نشاط الدماغ أثناء النوم والاستيقاظ يرتبط بعملية تذكر الأحلام، بينما لا تزال الآليات الدقيقة قيد البحث.
وهذا يشير إلى أن تذكر الأحلام ليس مجرد مسألة "قوة الذاكرة" بشكل عام، وإنما قد يتأثر أيضًا بالطريقة التي يتم بها ترميز التجربة أثناء النوم وبالظروف التي تحدث فيها عملية الاستيقاظ.
لماذا نتذكر بعض الأحلام بوضوح شديد؟
ربما مررت بتجربة استيقظت فيها من حلم وكأنك كنت تعيش أحداثه بالفعل.
قد يكون الحلم مليئًا بالألوان أو الأشخاص أو الأماكن أو المشاعر القوية، وأحيانًا يبقى تأثيره معك لبعض الوقت بعد الاستيقاظ.
تشير الدراسات إلى أن الأحلام التي يتم تذكرها قد تحتوي على عناصر من تجارب وذكريات الحياة اليومية. وفي دراسة استخدمت استيقاظات متكررة خلال الليل، وجد الباحثون أن مصادر الذكريات التي تظهر في الأحلام يمكن أن تشمل أحداثًا حديثة وذكريات أقدم ومعلومات عامة، مع اختلافات مرتبطة بوقت الليل ومرحلة النوم.
لكن وجود عنصر من حياتك اليومية داخل الحلم لا يعني بالضرورة أن الحلم يعيد تشغيل ذكرى معينة كما حدثت تمامًا؛ فالأحلام قد تجمع عناصر مختلفة بطريقة جديدة.
هل الدماغ يحاول أن يجعلنا ننسى الأحلام؟
هذه واحدة من الأفكار المثيرة للاهتمام في أبحاث النوم، لكنها ليست حقيقة مثبتة بشكل نهائي عند البشر.
في عام 2019، نشر باحثون دراسة في مجلة Science تناولت دور مجموعة من الخلايا العصبية التي تنتج هرمونًا يسمى MCH في منطقة تحت المهاد لدى الفئران. ووجد الباحثون أن تنشيط هذه الخلايا أثناء نوم حركة العين السريعة (REM) أثّر في بعض اختبارات الذاكرة لدى الفئران، بينما أدى تثبيطها إلى تحسن الأداء في تلك الاختبارات.
وبناءً على هذه النتائج، اقترح الباحثون أن هذه الخلايا قد تساهم في عمليات نسيان معينة أثناء نوم REM، وطرحوا احتمال أن يكون ذلك أحد العوامل التي تساعد على عدم الاحتفاظ بمحتوى الأحلام. لكن هذه الدراسة أجريت على الفئران، ولا تثبت أن الدماغ البشري يتعمد محو الأحلام بالطريقة نفسها.
لذلك، فالأدق أن نقول إن هناك أدلة تجريبية على وجود آليات مرتبطة بالنسيان أثناء النوم في الحيوانات، بينما لا تزال العلاقة المباشرة بين هذه الآليات ونسيان الأحلام عند الإنسان موضوعًا للبحث.
لماذا قد نتذكر الحلم إذا استيقظنا في منتصف الليل؟
توقيت الاستيقاظ ومرحلة النوم التي يحدث خلالها الاستيقاظ يمكن أن يؤثرا في نوع التجربة التي يتذكرها الشخص وفي احتمالية الإبلاغ عنها.
وأظهرت دراسة حديثة راجعت عشرات الدراسات التي اعتمدت على إيقاظ المشاركين من مراحل مختلفة من النوم أن **طريقة الاستيقاظ نفسها** يمكن أن تؤثر في معدل تذكر التجارب الحلمية، إلى جانب عوامل فردية تختلف من شخص إلى آخر.
لذلك، فإن استيقاظ شخص في منتصف الليل وتذكره لحلم بوضوح لا يعني بالضرورة أن كل الأحلام التي تحدث في ذلك الوقت تكون أكثر وضوحًا عند الجميع؛ فقد تختلف التجربة باختلاف مرحلة النوم وطريقة الاستيقاظ والفروق الفردية.
هل يمكن أن نتعلم تذكر أحلامنا؟

إذا أردت تجربة تسجيل أحلامك، يمكنك الاحتفاظ بدفتر بجوار السرير وكتابة ما تتذكره عند الاستيقاظ، حتى لو كان مجرد كلمة أو شعور أو صورة واحدة.
هذه الطريقة يمكن أن تكون وسيلة عملية لمتابعة الأحلام وتسجيلها، لكن لا ينبغي اعتبارها علاجًا أو طريقة مضمونة لزيادة تذكر الأحلام؛ فالأبحاث تشير إلى أن القدرة على تذكر الأحلام تتأثر بعدة عوامل فردية وظروف مرتبطة بالنوم والاستيقاظ..
هل نسيان الأحلام أمر طبيعي؟
نعم، نسيان الأحلام أمر شائع جدًا، ولا يعني بالضرورة وجود مشكلة في الذاكرة.
في الواقع، قد تكون هناك حالات تستيقظ فيها وأنت تشعر أنك حلمت دون أن تستطيع استرجاع أي تفاصيل.
وتشير الأبحاث إلى أن عملية تذكر الحلم تتأثر بعوامل متعددة، وأن عدم القدرة على تذكر الحلم لا يعني بالضرورة عدم حدوث تجربة حلمية أثناء النوم.
كما أن العلماء ما زالوا يدرسون العلاقة بين الأحلام والذاكرة والنشاط العصبي أثناء النوم، لذلك توجد أسئلة كثيرة لم تحصل على إجابة نهائية حتى الآن.
لماذا تبدو الأحلام حقيقية أثناء النوم؟
أثناء الحلم يمكن أن نعيش مشاهد تبدو لنا منطقية في تلك اللحظة، حتى لو كانت غير منطقية تمامًا بعد الاستيقاظ.
وقد تتداخل في الحلم الصور والذكريات والمشاعر والمعلومات المختلفة، لذلك يمكن أن تظهر أماكن أو أشخاص بطريقة غير معتادة.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن محتوى الأحلام قد يستفيد من مصادر متعددة للذاكرة، بما في ذلك أحداث حديثة وذكريات بعيدة ومعلومات عامة، ثم تظهر هذه العناصر داخل تجربة حلمية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع.
وهذا قد يكون أحد الأسباب التي تجعل بعض الأحلام تبدو مألوفة وغريبة في الوقت نفسه.
في النهاية... لماذا ننسى أحلامنا؟
لا توجد حتى الآن إجابة واحدة نهائية تفسر جميع حالات نسيان الأحلام.
تشير الأبحاث إلى أن تذكر الحلم عملية معقدة يمكن أن تتأثر بحدوث التجربة الحلمية، وتكوين أثر لها في الذاكرة، ثم استرجاعها بعد الاستيقاظ، إضافة إلى عوامل مرتبطة بمرحلة النوم وطريقة الاستيقاظ والفروق الفردية بين الأشخاص.
كما أن بعض الدراسات التي تبحث في الآليات العصبية للنسيان أُجريت على الحيوانات، ولذلك لا يمكن تطبيق نتائجها على الإنسان بشكل مباشر دون أدلة إضافية.
وبالتالي، فالمعلومات الواردة في هذا المقال تثقيفية وعامة، ولا تمثل تشخيصًا أو علاجًا أو نصيحة طبية شخصية. وما زال العلماء يدرسون كيف تتكون ذكريات الأحلام ولماذا يحتفظ بعض الأشخاص بها أكثر من غيرهم.
وربما لهذا السبب يكون الحلم في لحظة الاستيقاظ وكأنه قصة كاملة، ثم بعد فترة قصيرة يتحول إلى مجرد صورة أو إحساس غامض.
المصادر والمراجع
Siclari, F. et al. (2017). The neural correlates of dreaming. Nature Neuroscience, 20, 872–878.
DOI: 10.1038/nn.4545.
Nemeth, G. (2023). The route to recall a dream: theoretical considerations and methodological implications. Psychological Research, 87, 964–987.
DOI: 10.1007/s00426-022-01722-7.
Siclari, F. et al. (2018). Dreaming in NREM Sleep: A High-Density EEG Study of Slow Waves and Spindles. Journal of Neuroscience, 38(43), 9175–9185.
DOI: 10.1523/JNEUROSCI.0855-18.2018.
Eichenlaub, J-B. et al. (2014). Recalling and Forgetting Dreams: Theta and Alpha Oscillations during Sleep Predict Subsequent Dream Recall. Cerebral Cortex.
Izawa, S. et al. (2019). REM sleep-active MCH neurons are involved in forgetting hippocampus-dependent memories. Science, 365(6459), 1308–1313.
DOI: 10.1126/science.aax9238.
Stucky, B. (2025). We are the Sensors of Consciousness! A Review and Analysis on How Awakenings During Sleep Influence Dream Recall. Nature and Science of Sleep.
DOI: 10.2147/NSS.S506461.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق