ماركوس أوريليوس والصمت: حين يتكلم الإمبراطور الفيلسوف

ماركوس أوريليوس والصمت: حين يتكلم الإمبراطور الفيلسوف

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

كان يحكمُ إمبراطوريةً تمتدُ من بريطانيا إلى بلاد الرافدين. كان يملكُ الذهب والجيوش والسلطة المطلقة. ومع ذلك، كان يكتبُ في دفتره الخاص — ليلاً، وحيداً — جملاً تُشبهُ همساتِ رجلٍ يبحثُ عن نفسه لا عن عرشه.

يقولُ ماركوس أوريليوس في "الأفكار": "لا تضيعَ ما تبقى من حياتك في التفكير بما يفعله الآخرون." توقفتُ طويلاً عند هذه الجملة. ليست طويلة. ليست معقدة. لكنها تحملُ ثقلاً يكادُ يُسقِطَ الإنسانَ العصري.

 

 دفترٌ خاصٌّ من إمبراطورٍ

قرأتُ هذا الكتاب وأنا في ليلةٍ صافيةٍ من ليالي الصيف. لم أكن أبحثُ عن فلسفةٍ معقدة، بل عن صوتٍ يُشبهُ صوتي. وجدتُهُ في دفترِ رجلٍ ماتَ قبل ألفَي عام، لكن أفكاره ما زالت تُحاورُني كأنهُ جالسٌ بجانبي.

الأمرُ العجيبُ أن هذا الإمبراطورَ لم يكتبْ ليقرأَهُ أحد. كان يكتبُ لنفسه. كان يُمارسُ ما نسميهُ اليوم "التأمل"، لكنهُ كان يفعلُ ذلك بصدقٍ بعيدٍ عن التسويق. وهذا الصدقُ هو ما يجعلُ كلماتهِ تَعِيشُ بعدَ موته.

مرض العصر: التفكير في الآخرين

نحنُ نعيشُ في عصرٍ يُكافئُك على أن تُفكرَ في الآخرين. من يأكلون، ومن يلبسون، ومن يُحبون، ومن يكرهون. نتابعُ حياتهم كمن يتابعُ مسلسلاً درامياً، وننسى أننا أنفسُنا لم نُؤلفْ بعدُ حلقةً واحدةً من حياتنا.

أوريليوس كان إمبراطوراً. كان يُحيطُ بهُ المنافقون والمتملقون والمتآمرون. ومع ذلك، كان يُذكّرُ نفسهُ كلَّ ليلةٍ بأن عقله ملكُه وحده. أن أفكاره هي الحصنُ الوحيدُ الذي لا يستطيعُ أحدٌ اقتحامَه.

متلازمة المقهى

أتذكرُ مرةً جلستُ في مقهىً عاماً، وأنا أُراقبُ الناس. شابٌ في مقعدٍ مجاورٍ كان ينظرُ إلى هاتفه كلَّ ثلاثين ثانيةً. لم يكن ينتظرُ مكالمةً مهمةً. كان ينتظرُ إعجاباً، أو تعليقاً، أو رسالةً تُثبتُ أنه موجود. كان يُعطيَ عقلهَ هديةً مجانيةً لكلِّ من يمرُّ عليه. وفي تلك اللحظة، تذكرتُ كلامَ أوريليوس: إننا نبيعُ عقولَنا بثمنٍ بخسٍ دون أن نشعر.

قوة عدم الإبداء

يقولُ أوريليوس أيضاً: "أنتَ لستَ مضطراً لأن يكونَ لديك رأيٌ في كل شيء." توقفتُ عند هذه الجملة وأنا أتذكرُ مجالسَ عائليةً كثيرة. في ثقافتنا، يُنظرُ إلى الصمتِ أحياناً بريبة. إذا لم تتكلمْ في مجلسٍ، ظنوكَ غبياً أو خجولاً. لكن الفيلسوف الإمبراطور يُخبرنا بسرٍّ عظيم: الصمتُ قوة.

جرأة "لا أعلم"

أنا شخصياً، تعلمتُ هذا الدرسَ متأخراً. كنتُ في صغري أُجيدُ الكلامَ في كل شيء. السياسة، والدين، والاقتصاد، والحب. كنتُ أظنُ أن الصمتَ خسارة. ثمّ كبرتُ قليلاً، ورأيتُ أن كلَّ كلمةٍ قلتُها في موضوعٍ لا أفهمه، كانت تُضعفُني. وأن كلَّ صمتٍ اخترتُه في موضوعٍ أجهله، كان يُقوّيني. اليوم، أعتزُ بقولي "لا أعلم" أكثر مما اعتززتُ يوماً بقولي “أنا أعرف.”

الامتنان كما رآه الإمبراطور

من أجملِ ما كتبَ أوريليوس: "عندما تستيقظُ صباحاً، فكرَ فيما هو نعمةٌ أن تكونَ على قيد الحياة، أن تتنفس، أن تفكر، أن تستمتع، أن تحب." هذه ليست دعوةً للسذاجة. فالرجلُ عاشَ حروباً وخياناتً وأوبئة. لكنه كان يُدركُ سراً بسيطاً: الحياةُ ليست في الأحداث الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة.

السعادة في التفاصيل الصغيرة

في شربةِ الماءِ الباردة. في نسمةِ الهواءِ عند النافذة. في ابتسامةٍ لا تُقصدُها. في مجتمعاتنا، نحنُ نسعى دائماً إلى "الحدث". نريدُ أن نُحققَ شيئاً عظيماً لنفرح. وننسى أن الفرحَ نفسه يكمنُ في أننا ما زلناُ هنا. أننا نستطيعُ أن نقرأ، وأن نفكر، وأن نُحبَّ، وأن نتألمَ حتى. فالتألمُ نفسُه دليلٌ على أننا نعيشُ.

ما تركهُ لنا

ماتَ ماركوس أوريليوس ولم يكن يعلمُ أن دفتره الخاص سيصيرُ كتاباً يقرؤهُ الملايين. كان يكتبُ لنفسه فحسب. أما نحنُ اليوم، فنُحاولُ أن نبدوَ سعداءَ أكثر مما نحنُ عليه. نُحاولُ أن نبدوَ أقوياءَ أكثر مما نشعرُ. نُحاولُ أن نملأَ الفراغَ بضجيجٍ لا ينتهي.

لكن سرُّ السعادة — إن وجدَ سرٌّ — ربما يكمنُ في أن نعودَ إلى ما كتبهُ ذلك الإمبراطورُ وحيداً: “كنْ راضياً بقليلٍ، وستجدُ أن كلَّ شيءٍ قليلٌ.

خاتمة 

تركتُ الكتابَ على الطاولة، ونظرتُ من النافذة. الليلُ هادئٌ، والنجومُ ما زالتْ هناكَ كما كانتْ قبل ألفَي عام. لم يتغيرْ الكونُ كثيراً. لكننا نحنُ الذين تغيّرنا. وأوريليوس يُهمسُ لي من صفحاتِهِ: “لا بأسَ. عدْ إلى نفسك. الصمتُ ينتظرُك.”

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
maroune bounejma تقييم 4.8 من 5.
المقالات

2

متابعهم

0

متابعهم

0

مقالات مشابة
-