العلاج بالكلام لجوزيف بروير هي بداية حقيقية للعلاج النفسي

العلاج بالكلام لجوزيف بروير هي بداية حقيقية للعلاج النفسي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 علاج الكلام عند جوزيف بروير هي بداية حقيقية للعلاج النفسي 

في شتاء عام 1880، وقفت مدينة فيينا الطبية أمام حالة شابة في الحادية والعشرين من عمرها، تعاني من شلل في أطرافها، وحول في عينيها، ورفض قاطع لشرب الماء، فضلاً عن نسيانها لغتها الألمانية الأم وتحدثها بالإنجليزية فقط. كانت هذه الأعراض شرارة الانطلاق لولادة "العلاج بالكلام"، المنهج الذي سيغير وجه الطب النفسي.

 

يقدم جوزيف بروير تفصيلاً دقيقاً لمعالجة المريضة "آنا أو" (Anna O.)، التي كانت تعتني بوالدها المحتضر. اكتشف بروير أن المريضة تدخل يومياً في حالة من الغياب والهلوسة، تنطق خلالها بكلمات متقطعة. وحين عمد إلى تنويمها مغناطيسياً ودفعها لترديد هذه الكلمات، بدأت تسرد قصصاً خيالية حزينة، لتستيقظ بعدها هادئة ومستقرة. أطلقت المريضة نفسها على هذه العملية اسم "العلاج بالكلام" (Talking-cure) أو "تنظيف المدخنة" (Chimney-sweeping).

 

اكتشف بروير أن الأعراض المستعصية تزول بشكل نهائي بمجرد تتبع الذكرى للوصول إلى الحادثة الأصلية التي ولّدت العرض، مع استرجاع الانفعال المرافق لتلك اللحظة. زال رهاب شرب الماء فجأة عندما تذكرت آنا في التنويم، بغضب واشمئزاز شديدين، كيف رأت كلب مربيتها الإنجليزية المكروهة يشرب من كوب زجاجي، وهو موقف كتمت فيه اشمئزازها آنذاك مراعاة للأصول. وزال شلل ذراعها اليمنى عندما تذكرت الليلة التي جلست فيها مرهقة بجوار سرير والدها المريض، وتخيلت ثعباناً أسود يخرج من الحائط ليلدغه، وحين حاولت إبعاده، اكتشفت أن ذراعها المعلقة على الكرسي قد تخدرت ولم تستطع تحريكها.

image about العلاج بالكلام لجوزيف بروير هي بداية حقيقية للعلاج النفسي

رسخت هذه الحالة القناعة لدى بروير بأن تفكيك العقدة الهستيرية يتطلب الغوص في الذاكرة لربط العرض الجسدي، كالشلل أو رهاب الماء، بأصله النفسي المكبوت، وأن الإفصاح اللفظي المشحون بالعاطفة يمتلك قوة علاجية قادرة على تفكيك أعتى الأعراض الجسدية المنشأ.علاج الكلام عند جوزيف بروير: البداية الحقيقية للعلاج النفسي

 

يُعد جوزيف بروير من أوائل الأطباء الذين أحدثوا تحولًا جذريًا في فهم الاضطرابات النفسية، وذلك من خلال ابتكاره ما عُرف لاحقًا بـ العلاج بالكلام أو الطريقة التطهيرية (Cathartic Method). وقد شكّلت أفكاره الأساس الذي انطلقت منه مدارس العلاج النفسي الحديثة، خاصة بعد تعاونه مع سيغموند فرويد في أواخر القرن التاسع 

يقوم العلاج بالكلام على فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن بعض الأعراض النفسية والجسدية قد تكون ناتجة عن ذكريات مؤلمة أو مشاعر مكبوتة لم يتم التعبير عنها. وعندما يتمكن الشخص من التحدث عن هذه الخبرات واسترجاعها في بيئة آمنة، قد تنخفض حدة الأعراض ويشعر براحة نفسية أكبر. وقد عُرفت هذه العملية باسم التنفيس الانفعالي أو التطهير النفسي.

كيف اكتشف بروير هذه الفكرة؟

اشتهرت تجربة بروير مع مريضته آنا أو، التي كانت تعاني من أعراض متنوعة مثل الشلل المؤقت واضطرابات الكلام. ولاحظ بروير أن الأعراض كانت تتحسن عندما تتحدث المريضة عن ذكرياتها المؤلمة ومشاعرها المكبوتة، خاصة أثناء التنويم الإيحائي. وقد أطلقت المريضة نفسها على هذا الأسلوب اسم "العلاج بالكلام" (Talking Cure)، وهو الاسم الذي انتشر فيما بعد في علم النفس.

أهمية العلاج بالكلام

 

رغم أن العلاج النفسي تطور كثيرًا منذ زمن بروير، فإن فكرته الأساسية لا تزال حاضرة في العديد من المدارس العلاجية الحديثة، ومنها العلاج النفسي الديناميكي وبعض أشكال العلاج الداعم. ومع ذلك، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن التحسن لا يعتمد على مجرد الحديث وحده، بل يتأثر أيضًا بالعلاقة العلاجية، وأساليب العلاج المستخدمة، وخصائص كل حالة.

خاتمة

كان جوزيف بروير رائدًا في إظهار قوة الكلمة في العلاج النفسي، وأسهم في تغيير النظرة إلى الاضطرابات النفسية من مجرد أعراض غامضة إلى خبرات إنسانية يمكن فهمها والتعامل معها. ورغم أن العلاج النفسي الحديث أصبح أكثر تنوعًا وتطورًا، فإن فكرة أن التعبير عن المشاعر والخبرات المؤلمة يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو التعافي ما زالت تحتفظ بمكانتها حتى اليوم.

#العلاج_بالكلام #آنا_أو #جوزيف_بروير

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Drheba Gamal تقييم 4.97 من 5.
المقالات

16

متابعهم

28

متابعهم

96

مقالات مشابة
-