العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

في زمن أصبحت فيه الهواتف تنقل تفاصيل الحياة لحظة بلحظة، صار كثير من الناس يتسابقون في عرض نعمهم وأرزاقهم أمام الجميع. لم يعد الأمر يقتصر على مشاركة لحظة سعيدة أو مناسبة جميلة، بل تحول لدى البعض إلى عادة يومية هدفها إظهار ما يملكونه من مال أو ممتلكات أو سفر أو مظاهر رفاهية. وهنا تظهر مقولة شعبية تحمل الكثير من الحكمة: "العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام"، وهي عبارة قد تبدو قاسية للبعض، لكنها تحمل رسالة عميقة حول أثر الاستكثار والتباهي بالنعم.

image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

كان هناك رجل بسيط بدأ مشروعًا صغيرًا بعد سنوات من الكفاح. رزقه الله نجاحًا لم يكن يتوقعه، وبدأت أرباحه تزداد شيئًا فشيئًا. في البداية كان يشكر الله ويحافظ على خصوصية حياته، 

 

image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

 

لكن مع مرور الوقت أصبح يوثق كل تفاصيل نجاحه وينشرها باستمرار. صور السيارات الجديدة، والفواتير الكبيرة، والرحلات الفاخرة، وحتى تفاصيل الصفقات التجارية. لم تمضِ سنوات قليلة حتى بدأ المشروع يتعرض لخسائر متتالية، وتفككت بعض شراكاته، وأصبح يشكو من كثرة المشاكل التي لم يكن يعرف لها سببًا.

 

image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

قد لا يكون السبب المباشر هو نشر النعم، ولكن المؤكد أن كثرة إظهارها تفتح أبوابًا كثيرة للحسد والغيرة وسوء الظن، وتجعل الإنسان يعيش تحت أعين الجميع. فليس كل من يراك سعيدًا يتمنى لك السعادة، وليس كل من يبتسم لك يحمل لك الخير في قلبه.

 

image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

وفي موقف آخر، كانت أسرة تعيش حياة مستقرة وهادئة. رزقهم الله بمنزل جميل بعد سنوات طويلة من الإيجار. بدلًا من الاكتفاء بالحمد والشكر، 

 

 

image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

تحولت صفحاتهم على مواقع التواصل إلى معرض يومي لتفاصيل المنزل ومقتنياته. لم يمر وقت طويل حتى بدأت الخلافات الأسرية تتسلل بينهم بشكل غريب، وتراكمت الديون نتيجة محاولات مستمرة للحفاظ على صورة الرفاهية التي رسموها أمام الناس. وهنا أدركوا متأخرين أن السعادة الحقيقية ليست فيما يراه الآخرون، بل فيما يشعر به الإنسان داخل بيته وبين أفراد أسرته.

 

إن أخطر ما في الاستكثار ليس الحسد فقط، بل تعلق القلب بنظرة الناس. فالبعض لا يشتري ما يحتاجه، بل ما يثير إعجاب الآخرين. ولا يسافر ليستمتع، بل ليلتقط الصور. ولا يحتفل ليفرح، بل ليُظهر للناس أنه يعيش أفضل منهم. وعندما تصبح حياة الإنسان مرهونة بإعجاب الآخرين، فإنه يفقد راحته تدريجيًا دون أن يشعر.

 

image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

ويروى عن أحد التجار أنه كان يحقق أرباحًا كبيرة، لكنه كان معروفًا بين الناس بالكتمان وعدم الحديث عن أمواله. سأله أحد أصدقائه يومًا: لماذا لا تُظهر ما أنعم الله به عليك؟ فابتسم وقال: "أنا أريد أن أستمتع بالنعم لا أن أحرسها من عيون الناس". كانت هذه الكلمات البسيطة تحمل حكمة عظيمة، فكلما اتسعت دائرة اطلاع الناس على تفاصيل حياتك، ازدادت التعليقات والتوقعات والمقارنات والتدخلات.

 

وليس المقصود هنا أن يعيش الإنسان في خوف دائم أو أن يخفي كل شيء، فالإسلام لا يمنع الفرح بالنعم ولا إظهار أثرها باعتدال. لكن الفرق كبير بين الشكر والتباهي، وبين الفرح والاستعراض. فالشاكر ينسب الفضل لله، أما المتباهي فيسعى غالبًا إلى جذب الأنظار وإثارة الإعجاب.

كم من علاقات جميلة انتهت بسبب المقارنات، وكم من صداقات ضعفت بسبب الغيرة، وكم من أسر دخلت في أزمات بسبب السعي المستمر لإثبات أنها تعيش حياة مثالية. لذلك كان السلف يحرصون على كتمان كثير من أمورهم الخاصة، ليس خوفًا من الناس، بل حفاظًا على راحة قلوبهم وبركة حياتهم.

إن البركة ليست في كثرة المال وحده، بل في دوام النعمة واستقرار النفس وراحة البال. وقد يملك شخص القليل لكنه يعيش سعيدًا مطمئنًا، بينما يملك آخر الكثير لكنه لا يشعر بالراحة بسبب انشغاله المستمر بنظرة الناس إليه.

image about العيشة المنظورة بتبوظ قبل العيشة الحرام.. ربنا يكفينا ويكفيكم شر الاستكثار

وفي النهاية، يبقى الستر من أعظم أبواب حفظ النعم. فكل نعمة لا تحتاج إلى إعلان، وكل نجاح لا يحتاج إلى تصفيق، وكل رزق لا يحتاج إلى استعراض. وما دام الله قد أنعم عليك بشيء، فاشكره عليه واحفظه من أعين المتربصين، واعلم أن التواضع يزيد النعمة جمالًا، وأن البركة تسكن القلوب التي تكتفي بالحمد بدلًا من الاستكثار.

نصيحة:
إذا رزقك الله نعمة فاشكره عليها، واستمتع بها في هدوء، ولا تجعل سعادتك مرتبطة بإعجاب الناس أو تعليقاتهم. فبعض النعم تزداد بركة كلما قلّ الحديث عنها، وكلما زاد الحمد عليها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
سيد الهوارى تقييم 5 من 5.
المقالات

24

متابعهم

16

متابعهم

59

مقالات مشابة
-