خدعة التقارير.. وصناعة القرار السياسى في واشنطن
المتابع لتاريخ التدخلات العسكرية الأمريكية سوف يصطدم بوجود فجوة هائلة، وأحياناً تعمد في التضليل، بين المعلومات الاستخباراتية التي يتم تسويقها للجمهور وبين الحقائق على الأرض. هذه الفجوة لم تكن مجرد خطأ تقني، بل كانت أداة لإضفاء شرعية مصطنعة على الحروب التي تخوضها.
في حرب فيتنام، تعتبر حادثة خليج تونكين النموذج الأول لتزوير الذرائع الاستخباراتية في العصر الحديث، حيث أعلنت إدارة الرئيس جونسون أن قوات فيتنام الشمالية هاجمت المدمرات الأمريكية في الخليج، وثبت فيما بعد أن الهجوم لم يحدث أصلاً، وأن التقارير الاستخباراتية تم التلاعب بها لدفع الكونغرس للتصديق على التدخل العسكري الكامل.

في غزو العراق 2003، كانت كذبة أسلحة الدمار الشامل هي السند الأول للغزو، وزعم وزير الخارجية الأسبق كولن باول أمام الأمم المتحدة وجود أدلة دامغة على امتلاك صدام حسين لمختبرات بيولوجية متنقلة وسعيه لامتلاك اليورانيوم من النيجر، والحقيقة أن المعلومات كانت مغلوطة ومبالغاً فيها بشكل متعمد.
أما الحرب على إيران الجارية حالياً، فهي تمثل نموذجاً متكاملاً للخلل المعلوماتي وتداعياته، وهي صاحبة النصيب الأكبر في حجم التضليل المعلوماتي، حيث استند قرار الحرب إلى تقارير استخباراتية مدفوعة برؤية (نتنياهو وترامب) تؤكد أن النظام الإيراني فقد سيطرته تماماً على الشارع، وأن ضربة واحدة كفيلة بإسقاطه من الداخل، وكالعادة أثبتت الأحداث أن هذه القراءة كانت تمنيات سياسية أكثر من كونها حقائق ميدانية.
والسبب، إما برغبة سياسية للدخول في حرب مضمونة النتائج كما كان متوقعاً، أو أن تكون أجهزة الاستخبارات المدعومة بالتقنيات المتطورة وأجهزة التنصت التي اخترقت كل كبيرة وصغيرة هناك، قد أغفلت بقصد أو بغيره تقديم صورة دقيقة لخصوصية الوضع الإيراني، وسيكولوجية المواطن الذي يعيش يومه تحت ضغوط غير محتملة بسبب "عدو" خارجي.
فالواقع التاريخي يؤكد أن إيران منذ الثورة على نظام الشاه عام 1979 من القرن الماضي وحتى الآن وهي تعيش حصاراً دائماً، فضلاً عن حروب وأزمات وصراعات داخلية مستمرة، لدرجة يمكن وصفها بأنها الدولة الأكثر خبرة عالمياً في تحويل الحصار من حالة طوارئ إلى نمط حياة.
لذلك، فالحرب لم تسقط النظام فقط، بل أعادت تدوير شرعيته بصفته المدافع عن السيادة الوطنية ضد الغطرسة الغربية، وأصبح الفشل المعلوماتي هو نفسه المناخ الذي عزز المركز السلطوي لنظام طهران، ومنحه مبرراً قانونياً وأخلاقياً لتصفية أي جيوب معارضة باعتبارها طابوراً خامساً.
وهذا لا يعود بالضرورة لقوة النظام، بقدر ما يمكن وصفه بالخلل في أسلوب صناعة تلك التقارير المدفوعة غالباً برغبات سياسية وليس مبنياً على مسح ميداني دقيق لشارع يمتلك خصوصية أيديولوجية وقومية معقدة.
وللحق، هذه الحالة تمثل خصوصية لبعض شعوب المنطقة، فعلى سبيل المثال بعد نكسة 1967، بمجرد أن أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تنحيه عن السلطة، نزلت الملايين بشكل غير مسبوق تطالب بعودة القائد المهزوم إلى السلطة، وبعدها قررت تل أبيب اتباع ما يعرف بغارات العمق لنقل المعركة إلى كل المدن المصرية لإجبار الشارع على التحرك لإسقاط النظام، لكن ما حدث هو تزايد التفاف الشارع حول قائده.
المقصود أن السلوك الشعبي يرتبط غالباً بمفهوم الكرامة الوطنية الذي يتجاوز منهجية التقارير الاستخباراتية وحسابات الربح والخسارة العسكرية، فما نراه من الخارج كـ "انهيار" يراه الداخل الإيراني كـ "إدارة للأزمة".
على كل حال، غياب الدقة في التقارير وتضاربها ظهر كثيراً، بداية من حالة المرشد الصحية، ومروراً بالانقسامات في الداخل، وصولاً إلى نسب الدمار الذي لحق بقدرات إيران العسكرية والصاروخية، لدرجة وصل فيها التباين إلى 40 أو 50٪.
من ضمن أسباب ضعف التقارير الاستخباراتية، غياب الشفافية عن صناع القرار السياسي فيما يتعلق بقدرة وحدود القوة العسكرية التقليدية، ما هو أقصى سقف لها، ومتى يجب التوقف حتى لا تتغول القوة الخشنة على قوة الدبلوماسية.
فاستخدام القوة تحديداً في أي صراع له مسوغات تشمل: التأييد الشعبي، وأن يكون الهدف ممكناً، وأن يمتلك مبرراً أخلاقياً ومدعوماً قانونياً. والمشكلة أن بعض هذه المسوغات غابت أو لم تظهر في التقارير أمام متخذ القرار.
والنتيجة كانت مربكة، فاختفى الحلفاء من المشهد، وتاه الدعم القانوني في أروقة الأمم المتحدة، ووصل الأمر لدرجة تآكلت معها خيارات التصعيد القادم أو المحتمل في حال استمر التعنت الإيراني، وبات السؤال: ما الذي يمكن أن يفعله لاحقاً؟
فاحتلال الأرض خيار بالغ الخطورة ومكلف سياسياً وعسكرياً، والقصف الجوي بلغ حدوده من حيث التأثير والجدوى.
حتى إغلاق مضيق هرمز ليس انتحاراً إيرانياً فقط كما تصورتها التقارير، بل هو أزمة دولية؛ لأن الغلق ليس حصراً على السفن الإيرانية فقط، بل على كل السفن، وأضراره تصيب مباشرة اقتصاديات دول العالم أجمع، وكل دولار يرتفع في سعر برميل النفط هو ضربة سياسية لترامب في الداخل، وضغوط دولية عليه من الخارج.
ما لم تظهره التقارير بوضوح هو أن طهران ليس لديها ضغوط ما يعرف بالممارسات الديمقراطية وسجلات حقوق الإنسان، لذلك يمكنها التغاضي عما يعانيه شعبها من تبعات الحصار مقابل عدم منح ترامب النصر الذي يريد، وهذا ما يجعل واشنطن، وليس طهران، هي من تبحث الآن عن وسيط لإيجاد صيغة تحفظ لترامب كبرياءه، بعد ما تأكد له أن القوة لا تترجم بالضرورة إلى نصر.
كان من المفترض أن تشير التقارير إلى أن طهران وحلفاءها قد يجدون في الحرب وتداعياتها وضعاً مثالياً لاستنزاف الولايات المتحدة سياسياً وإظهار عجز إدارتها عن حسم الصراع رغم التفوق التقني.
الخلاصة: أننا أمام أزمة حقيقية تكمن في أدوات قراءة سلوك المجتمعات والدول المحاصرة؛ فهذه المجتمعات لا تتصرف دائماً وفق التقارير الاستخباراتية الجامدة أو الحسابات الاقتصادية البحتة.
أما المشكلة الأخطر، فهي الاعتماد على المصطلحات السياسية المعلبة، والتحليل النمطي الذي يتبنى قراءة المشهد من زاوية واحدة، متجاهلاً كل ما عداها من مفاهيم أخرى قد تكون غُيبت عن عمد؛ لا لشيء سوى التماهي مع رغبات سياسية قد تؤدي إلى كوارث لاحقاً.