نتنياهو.. استراتيجية البقاء عبر الفوضى
كلما اقتربت المنطقة من تهدئة صراعاتها المشتعلة، تدخلت إسرائيل لإعادة إشعال المشهد.. فبعد ساعات من الكشف عن وثيقة مبادئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في إيران، نفذت إسرائيل عملية مزدوجة في الضاحية الجنوبية في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، وأخرى في قطاع غزة. الأولى استهدفت قائد قوة الرضوان التابعة لحزب الله، والثانية استهدفت عائلة القيادي خليل الحية.

يصعب النظر إلى هذه التطورات باعتبارها مجرد مصادفة، "فالحرب" هي ورقة بنيامين نتنياهو الرابحة للبقاء في السلطة، وما دون ذلك، قد يكلفه السقوط تحت سلطة القانون في قضايا فساد ورشوة.
الوضع في الداخل الإسرائيلي أشبه بلوحة سريالية، تختلط فيها أطماع السياسيين والأحزاب، مقابل شعب منقسم أنهكته حرب على أكثر من ثلاث جبهات.
ومع اقتراب الانتخابات المقبلة المقررة في أكتوبر القادم، ارتفع سقف الصراعات السياسية، بعد أن رفضت المحكمة العليا النظر في التماسات طالب بها أهالي القتلى لتشكيل لجنة حكومية للتحقيق في أحداث أكتوبر والحرب التي تلتها، وهو ما كان يخطط له نتنياهو.
المشكلة أنه لا يوجد اتفاق في دوائر القضاء حول ما إذا كانت الحكومة ملزمة من عدمه بتشكيل لجنة تحقيق، لأن نتائج هذه اللجان غالبًا ما يعقبها إقصاء واسع لقيادات سياسية وعسكرية، على غرار ما حدث بعد لجنة أغرانات عقب حرب 1973، ولجنة كاهان التي حققت في مذابح مخيمي صابرا وشتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت خلال الفترة من 16 إلى 18 سبتمبر 1982.
التجربة أثبتت أن هذا الرجل يحقق أفضل أداء سياسي في ظل الأزمات، فقد ارتبط اسمه باستراتيجية “البقاء السياسي” عبر إدارة الأزمات العسكرية، وهي سياسة تهدف إلى تحويل التحديات الأمنية الوجودية إلى رافعة انتخابية أو وسيلة لتأجيل الاستحقاقات السياسية والقضائية.
وكثيرًا ما يستخدم عبارة “النصر المطلق” كأداة تعبوية لربط مستقبله السياسي بتحقيق هدف عسكري غير محدد بسقف زمني، مما يمنحه تفويضًا مفتوحًا للبقاء في السلطة. كما يُنظر إلى العمليات النوعية (مثل الضربات التي استهدفت المشروع النووي الإيراني) كأدوات لتحسين شعبية الليكود. ويتفاخر بعلاقته المتميزة مع الإدارات الأمريكية، خاصة إدارة دونالد ترامب الحالية، لإظهار قدرته على جلب دعم دولي غير مشروط لعملياته العسكرية.
ونجح من خلال الحروب والأزمات في وضع المعارضة في “فخ الوطنية”، حيث يصعب على منافسيه (مثل بيني غانتس أو يائير لابيد) انتقاده بحدة أثناء وجود الجنود في الميدان. وهو ما يحد من قوة المعارضة السياسية، ويمنحه شرعية إضافية.
في المقابل، منح رفض المحكمة العليا، نتنياهو مساحة أكبر للمناورة لفرض شروطه قبل خوض الانتخابات المقبلة. ومدعومًا بنتائج استطلاعات الرأي التي تشير إلى أنه ما زال يمتلك شعبية مؤثرة، فيما يعتقد أنصاره أن خطواته تندرج ضمن ضرورات أمنية.
وما يسهم في تعزيز موقفه تزايد الخلافات بين الأحزاب التي تسعى لتشكيل جبهة موحدة لهزيمته. وبحسب ما ذكرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، قرر نتنياهو رفع سقف التحديات وطموحاته الانتخابية، وأعلن استعداده لتشكيل حكومته القادمة بدعم من الأحزاب العربية، لكنه اشترط اختيار عشرة مرشحين لمقاعد قائمة الليكود، وهدد بأنه سيضطر إلى اتخاذ خطوة جريئة، والترشح خارج حزب الليكود.
تهديد نتنياهو، يعيد إلى الأذهان تجربة حزب كاديما الذي شكّله في نوفمبر 2005 أرئيل شارون في خطوة وُصفت بالانتحار السياسي، حيث استقال من حزب “الليكود” الذي شارك في تأسيسه، بسبب الصراعات الداخلية مع الجناح اليميني المتشدد (بقيادة نتنياهو وقتها) حول خطة فك الارتباط مع غزة. وهو الحزب الذي شكل الحكومة فيما بعد برغم وجود مؤسسه في غرفة العناية الفائقة حتى إعلان وفاته.
وقبل أسبوع واحد فقط، شكّل نفتالي بينيت ويائير لابيد حزب “معًا”، ويسعيان لقيادة تحالف يهدف إلى هزيمة نتنياهو في الانتخابات المقبلة. اللافت أن هذا الكيان الوليد، الذي لم يتجاوز عمره أيامًا معدودة، فاز في آخر استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة “لازار ريسيرش” بالتعاون مع شركة “بانال فور أول”، وحقق نتائج تتجاوز 46% مقابل 42% لليكود. غير أن هذه النتائج قد لا تكون حاسمة في بعض الأحيان، نتيجة تغير توجهات الناخب في إسرائيل، الذي لم يعد ملتزمًا إلى حد ما بالولاء السياسي للأحزاب التاريخية.
رغم هذه الاستراتيجيات، تشير المعطيات الحالية إلى تحديات غير مسبوقة تواجه سياسته، فحتى الآن فشل في تحقيق “حسم ناجز” في غزة ولبنان وإيران. أما ورقته المفضلة “الجيش” فلم تعد تمنحه التفوق الكاسح، حيث تظهر التحالفات الجديدة (مثل تحالف بينيت ولابيد) كبديل قوي يركز على الفشل في تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب استراتيجية.
الحرب التي توشك أن تدخل عامها الثالث أظهرت حقيقة ما يدور في الداخل الإسرائيلي، فقد أكدت بيانات بحثية واسعة النطاق تراجعًا في الثقة والشعور بالتماسك بين مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي. وكشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة تل هاي وجامعة تل أبيب صورة معقدة للمجتمع الإسرائيلي بعد عامين ونصف من القتال؛ وأظهرت الدراسة أن 43% من المشاركين يخشون من التهديدات والانقسامات السياسية الداخلية، مقارنةً بـ 38% يخشون من التهديدات الأمنية والصواريخ والمسيرات التي يطلقها حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني. إضافةً إلى ذلك، يُنظر إلى العنف في المجتمع الإسرائيلي أيضًا على أنه تهديد أكبر من التهديد الأمني والسياسي في معظم الحالات.
باختصار، هذه هي البيئة التي يراها نتنياهو فرصة للبقاء في السلطة، وأيضًا لتولي الحكومة المقبلة، ليس حرصًا على أمن إسرائيل، لكن خوفًا من تداعيات قضائية قد تنتهي مسيرته كمدان، وليس كقائد سياسي نجح فيما لم ينجح فيه آخرون كما يزعم.
طوال تاريخه السياسي، تمكن نتنياهو من تحويل قضايا الأمن القومي إلى أداة لخدمة بقائه في السلطة. لكن هذه السياسة تواجه اليوم اختبارها الأصعب أمام مجتمع إسرائيلي منهك من حرب طويلة بلا أفق سياسي واضح. ويبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن استمرار هذا النموذج في ظل تآكل الثقة الداخلية؟