مأزق هرمز: هل يصبح البديل فك الارتباط بين "السيادة" و"الملاحة"؟

مأزق هرمز: هل يصبح البديل فك الارتباط بين "السيادة" و"الملاحة"؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

المفاوضات في باكستان لم تنهر، لكنها وصلت إلى طريق مسدود، وهذا ما كان متوقعاً. وما رشح عنها أنها عالقة عند نقاط أهمها: مضيق هرمز، وحد تخصيب اليورانيوم بما لا يسمح بامتلاك قنبلة نووية. بالنسبة للنقطة الأولى، تريد إيران الحفاظ على سيطرتها عليه وفرض رسوم جمركية على السفن العابرة، وتضغط الولايات المتحدة من أجل سيطرة مشتركة. وبالنسبة للنقطة الثانية، فحسمها مرهون بوقف الحرب، وعودة التفتيش الدولي، لذلك فالاتفاق عليها يدخل في إطار الوعود والتعهدات.

 

image about مأزق هرمز: هل يصبح البديل فك الارتباط بين بقي مضيق هرمز الذي نجح المفاوض الإيراني المتمرس في وضعه كقضية محورية ضمن بنود أي اتفاقية مستقبلاً، على الرغم من أنه لم يكن أساساً من أسباب اشتعال الحرب، لكن كلفة إغلاقه على الاقتصاد الإقليمي والعالمي جعلت منه ورقة ربما لا تقل في أهميتها عن ملفي النووي والصاروخي الإيرانيين. المطالبة بالاعتراف بسيطرته الكاملة على المضيق، بما في ذلك حقه في فرض رسوم على السفن التجارية على غرار نموذج قناة السويس، لا تحول المضيق إلى مورد اقتصادي استراتيجي فحسب، بل أيضاً مفتاح للتحكم في مصير ثلث احتياج العالم من الطاقة.

وبحسب رؤية طهران، فما دام مضيق هرمز غير مفتوح بشكل مستقر، وما دام أي اتفاق مؤقت يشكل تهديداً حقيقياً لتدفق النفط، فمن الصعب تصور كيف يمكن للبيت الأبيض أن يعتبر ذلك إنجازاً. إذا اختارت الولايات المتحدة خطوة عسكرية لفتح المضيق، فقد ترى إيران في ذلك عودة إلى الحرب، أما إذا لم تفعل ذلك واكتفت باستمرار الوضع المؤقت، فسيظل التهديد لسوق الطاقة قائماً، وهذا يزيد من الضغط على ترامب لتقديم تنازلات مقبولة لطهران.

هذا هو جوهر المعضلة: ليس فقط مسألة التوصل إلى اتفاق من عدمه، بل ما إذا كان هناك مسار لا حرب ولا سلام يمكن إدارته على المدى الطويل دون دفع ثمن اقتصادي وسياسي باهظ. بالنسبة للرئيس ترامب، لا تُعد أسعار النفط قضية ثانوية، بل هي المتغير المحوري. فما دام المواطن الأمريكي العادي يدفع أكثر في محطات الوقود والطاقة، فالرئيس يخسر سياسياً، باستطلاعات الرأي الرافضة للحرب، ومستقبلاً في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عندما يذهب هذا المواطن للتصويت لصالح الحزب الديمقراطي. لذا، فالخيارات التي قد تبدو ملائمة سياسياً، قد تصبح مرهقة للاقتصاد العالمي وللحلفاء الإقليميين والغربيين.

وهنا يبرز "الخيار الثالث" ليس كقوة فرض، بل كحبل نجاة سياسي تقوده أوروبا، وتحديداً لندن، عبر حراك دبلوماسي يهدف إلى فصل ملف الملاحة النفطية عن التعقيد النووي. التحرك الأوروبي يرتكز على براغماتية بحتة؛ فحكومة حزب العمال تدرك أن بقاءها مرهون باستقرار أسعار الطاقة، لذا جاء مقترحها بإنشاء "نظام مراقبة أوروبي مشترك" في هرمز كبديل تقني يلتف على صراع السيادات. هذا المقترح يمنح طهران "اعترافاً وظيفياً" بنفوذها في المضيق يمهد لطموحها الاقتصادي، ويمنح واشنطن "ممراً آمناً" للانسحاب من فخ المواجهة العسكرية دون أن تبدو بمظهر المتنازل.

في هذا السياق، لم تكن تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، عقب مباحثات إسلام آباد، مجرد توصيف لفشل جولة، بل حملت اعترافاً ضمنياً بـ "توازن الضعف". فحين يصف النبأ بأنه سيء للجميع بدرجات متفاوتة، فهو يقر بتآكل خيارات واشنطن أمام طهران التي تدرك تماماً حجم الضغوط الداخلية؛ ما يجعل لغة الحصار التي يشهرها ترامب مجرد "قنبلة صوتية" في ممر مشلول ميدانياً، مع الإشارة إلى أن ما يمر من سفن خلال المضيق يومياً لا يتعدى أصابع اليد الواحدة!

في الحقيقة، النبأ سيء لكل الأطراف. عودة الرئيس ترامب ساحات القتال سيفقده ما تبقى من شعبيته، إذا أضفنا إلى ما سبق أن التوسع في الضربات العسكرية ضد إيران دون سقف أو أهداف محددة يمثل تجاوزاً لقدرة السلاح وتغولاً على السياسة، والنتيجة المؤكدة استنزاف استراتيجي وتكرار لتجربتي فيتنام وأفغانستان لكن بصور أكثر دراماتيكية.

وهنا لابد من الإشارة إلى عنصر غاية في الأهمية، وهو جغرافية إيران، ذات التضاريس المعقدة التي ستزيد من إرهاق الخصم عسكرياً ومعنوياً. والعالم تابع مباشرة ما فعلته الولايات المتحدة لإنقاذ طيار واحد سقطت طائرته في جبال إيران، وسخرت ما يقرب من 155 طائرة و200 جندي، ونجحت في استعادته لكنها خسرت 4 طائرات.. هذه إذن كلفة إنقاذ جندي واحد فقط.

المشكلة الأكثر خطورة، أن التوسع في الضربات، سيركز هذه المرة بدون أدنى شك على مصادر الطاقة؛ مصافي ومستودعات النفط والغاز، وخطوط أنابيب، وربما تصل إلى الآبار في كل منطقة الخليج، وهذا يتعارض مع القانون الدولي، ومرفوض أخلاقياً ومجرم بيئياً، في الوقت الذي ستجني روسيا من ورائه أرباحاً هائلة تعوض بها كل خسائرها في حرب أوكرانيا؛ فيما تبقي الصين خياراتها مفتوحة؛ فهي تحتفظ بعلاقات قوية مع إيران، لكنها في الوقت نفسه قد تقبل بدفع رسوم لطهران على ممر دولي، وتعتبره سابقة يمكن تطبيقها في الممرات البحرية قرب الحدود الصينية.

فالحرب هذه المرة مصحوبة بأزمة اقتصادية عالمية طاحنة. فيما تظل إسرائيل هي الوحيدة التي ستؤيد العودة للقتال، لكن الإدارة الأمريكية تدرك تماماً أنها وحدها من يتحمل تكلفة الصراع مالياً، فتراجع المخزون في ذخائرها الذكية أحد أسبابه أن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي يعتمدان على نفس المخزون!

على كل حال، إذا كانت جولة إسلام آباد انتهت بخلافات عميقة في المفاوضات فهذا ليس مستبعداً، في الوقت نفسه فإن هدنة الأسبوعين مستمرة ومستقرة، ما يعني أن الوقت ما زال متاحاً للوصول إلى توافقات ولو قبل اللحظات الأخيرة من الوقت الأصلي، خاصة أن اعتراف فانس يشير إلى الضغوط التي تعاني منها واشنطن وربما تفتح الباب لتنازل أو صفقة من نوع ما.

في المطلق هذا ليس تفاؤلاً، لكنه أولاً، طبيعة أي مفاوضات أن كل طرف يسعى لرفع التكلفة على الآخر برفع سقف المطالب، وثانياً، أن النجاح في هذه المفاوضات حصرياً إجباري وليس اختيارياً؛ لأن تداعيات الفشل والعودة للقتال غير محتملة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ولا حتى أخلاقياً.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
معتز ابو سمرة صحفي تقييم 4.97 من 5.
المقالات

7

متابعهم

22

متابعهم

23

مقالات مشابة
-