إسرائيل: حزب اليوم الواحد يعيد تشكيل سياستها الداخلية

   إسرائيل: حزب اليوم الواحد يعيد تشكيل سياستها الداخلية

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

ظاهرة إنشاء الأحزاب في إسرائيل تستحق التوقف عندها طويلاً. وبرغم أن التكرار ينفي عنها صفة “الظاهرة” بالمعنى العلمي، فإنها تظل استثناءً لافتاً مقارنة بسياقات سياسية أخرى.

قبل أسبوع واحد، شكّل نفتالي بينيت ويائير لابيد حزب “معاً”، ثم انضم إليهما جادي آيزنكوت لقيادة تحالف يهدف إلى هزيمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة. اللافت أن هذا الكيان الوليد، الذي لم يتجاوز عمره أياماً معدودة، فاز في آخر استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة “لازار ريسيرش” بالتعاون مع شركة “بانال فور أول”، وحقق نتائج تتجاوز 46٪ مقابل 42٪ لليكود.

ما حدث يعيد إلى الأذهان تجربة حزب كاديما الذي شكّله في نوفمبر 2005 أرئيل شارون في خطوة وُصفت بالانتحار السياسي، حيث استقال من حزب “الليكود” الذي شارك في تأسيسه، وذلك بسبب الصراعات الداخلية مع الجناح اليميني المتشدد (بقيادة نتنياهو وقتها) حول خطة فك الارتباط مع غزة.

image about     إسرائيل: حزب اليوم الواحد يعيد تشكيل سياستها الداخلية

لكن قبل الانتخابات، دخل شارون في غيبوبة ولم يستيقظ منها. هنا حدث الاختبار الحقيقي، فرغم غياب المؤسس والمحرك الرئيسي، إلا أن الحزب فاز في انتخابات مارس 2006 بـ29 مقعداً، وأصبح الحزب الأكبر، وشكّل الحكومة برئاسة إيهود أولمرت.

قطاع واسع من الناخبين لم ينظروا إلى مغامرة شارون كحزب، بل كتفويض لشخصه لإكمال الحلول الأحادية الجانب، ومنح الثقة بالتصويت للفكرة وللطاقم الذي جمعه شارون، معتبراً إياهم الأداة التقنية الأنسب لإدارة الدولة في تلك المرحلة. وعندما فشل أولمرت في حرب لبنان 2006 وتعثرت عملية السلام، فقد الحزب مبرر وجوده، وأعادت صناديق الاقتراع الليكود من جديد إلى السلطة.

تجربة كاديما هي المثال الأوضح والأكثر براغماتية، إذ تعيد الحزب إلى حقيقته المجردة بأنه وسيلة لتحقيق هدف، وليس غاية أو مطمح. وهو ما نراه في إسرائيل، فقد ينشأ الحزب في ساعات ويصل إلى السلطة، وعندما تنتهي المهمة أو يغيب القائد، يذوب الحزب وتعود القواعد السياسية لتتشكل من جديد تبعاً لتطور الأوضاع السياسية.

في أغلب دول العالم، يتم تقسيم الدولة إلى دوائر صغيرة. لكي ينجح الحزب، يجب أن يكون لديه مقر في كل منطقة، ومرشح معروف لأهل المنطقة، وقدرة على المنافسة في كل شارع.

في إسرائيل، الأمر مختلف تماماً؛ فالدولة كلها دائرة واحدة. المواطن في إيلات والمواطن في تل أبيب يصوّتان على نفس الورقة ونفس القائمة. والناخب لا يختار شخصاً في دائرته، بل يختار قائمة. وإذا حصل حزب على 20% من أصوات كل الناخبين، فإنه يأخذ 20% من مقاعد البرلمان (الكنيست) فوراً.

شرط الدخول هو تجاوز نسبة الحسم، وهي الحد الأدنى من الأصوات الذي يجب أن يحصل عليه الحزب ليدخل البرلمان، وتبلغ حالياً 3.25%. وبما أن النسبة صغيرة، فإن أي شخصية ذات حيثية، جنرال سابق، إعلامي بارز، أو بطل قومي، يستطيع جمع هذه النسبة من المؤيدين عبر الدولة كلها، ليجد نفسه داخل البرلمان بكتلة مؤثرة.

فالسلوك الانتخابي، الذي تحكمه انقسامات دينية وقومية واجتماعية، يتجه غالباً إلى التصويت ضد الوضع القائم غير الملائم، كما في حالة الليكود، على سبيل المثال، حيث يبحث الناخب عن البديل الأكثر لمعاناً دون اعتبار كبير للولاءات الأخرى. وهذا ما تؤكده نتائج استطلاع رأي أجراه “معهد الفكر الإسرائيلي”، والذي كشف عن تراجع فكرة الولاء التاريخي لحزب أمام متطلبات اللحظة، وكشف أن نحو 11% من ناخبي الليكود قد يتجهون للتصويت لصالح كتلة “معاً” في الانتخابات المقبلة. وتجدر الإشارة إلى اهمية أخذ تأثير الإعلام واستطلاعات الرأي في “تصنيع الزخم” للأحزاب الجديدة، إلى جانب ظاهرة “التصويت العقابي” كعوامل مؤثرة.

فعلياً، نجح المجتمع الإسرائيلي في الانتقال من عصر الأحزاب المؤسسة، مثل مباي (العمل) الذي بنى الدولة، إلى عصر النجومية السياسية. وأصبح الناخب يبحث عن حلول سريعة لأزمات معقدة، ما يجعله ينجذب إلى أي تشكيل جديد يقوده وجه مألوف، معتقداً أن كفاءة الشخص في الميدان العملي ستنتقل تلقائياً إلى السياسة.

لذلك، عندما قرر شارون أو بينيت إنشاء حزب، لم يكونا بحاجة إلى بناء مقرات، بل احتاجا فقط إلى شاشات التلفزيون وإلى قائمة وضعا فيها أسماء لامعة خلفهما، وبسبب نظام الدائرة الواحدة، تحولت شعبيتهما الشخصية في كل إسرائيل إلى مقاعد برلمانية في لحظة واحدة.

وللحق، فإن نجاح الأحزاب الجديدة لا يعتمد فقط على النظام، بل أيضاً على قدرتها على الاندماج داخل نظام ائتلافي معقد تفرضه معادلة تشكيل الحكومة، مع عدم إغفال دور المال والتمويل.

ويبقى السؤال المهم: هل يمكن تطبيق هذه التجربة عربياً؟ الإجابة تكمن في الفرق الجوهري بين بنية الأنظمة. في إسرائيل، تنمو هذه الأحزاب في بيئة ديمقراطية برلمانية تسمح بالتداول السريع وتعتمد على نتائج صندوق الاقتراع. في الوقت نفسه، يساهم استقرار أجهزة الدولة بما تمتلكه من كفاءة في تحمّل تداعيات خطأ اختيار الناخب للمرشح، إذ يدرك الناخب أن هذه الأجهزة يمكنها التعامل مع تداعيات هذا الخطأ. وهو ما قد لا يتوفر في معظم الدول العربية التي يتماهى فيها الحزب الحاكم مع الدولة نفسها

أما تطبيقها عربياً، فيتطلب أولاً وجود نظام انتخابي يسمح بالتنافس الحر الحقيقي، وثانياً وجود مجتمع مدني يعترف بشرعية الأحزاب البرامجية أو أحزاب الشخصيات.

والتحدي الأكبر أن الأحزاب في العالم العربي غالباً ما تفتقر إلى الضمانة المؤسسية التي تمكّن الحزب الجديد من ممارسة السلطة فور فوزه، كما ترتبط أحياناً بالسلطة أو بالأيديولوجيا الصلبة.

فالعائق ليس وعي المواطن، بل غياب المؤسسات الحاضنة للقيادات. كما تفتقر الشخصيات المستقلة غالباً إلى ميدان تجربة عام يسمح للجمهور بتقييم كفاءتها قبل التصويت لها.

أما النقطة الحاسمة، وربما الفارقة، فتتعلق بالنضج السياسي الذي وصل إليه الناخب الإسرائيلي، الذي جعله لا يبحث عن الكيان بقدر ما يبحث عن الأداة، بعكس الناخب العربي الغارق في البحث عن تاريخ قوة الكيان. فما يراه البعض غياباً للتاريخ الحزبي، يراه الآخر تحرراً من البيروقراطية الحزبية، وبين من يبحث عن الأداة ومن يبحث عن الكيان، لا يختلف الناخب فقط… بل تختلف النتائج، وتتشكل خرائط السلطة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
معتز ابو سمرة صحفي تقييم 4.98 من 5.
المقالات

9

متابعهم

23

متابعهم

23

مقالات مشابة
-