ديوان: متاهات الحنين
ديوان: متاهات الحنين
بقلم/ علي عيسى
[المقدمة]
بين الحبر والورق، تولد حكايا لا ترويها إلا القلوب الصادقة. في هذا الديوان "متاهات الحنين"، لم أكتب مجرد أبياتٍ موزونة، بل سكبتُ شظايا من الروح، وزفراتٍ من الشوق، وصوراً لملامح غابت وبقيت ذكراها محفورة في الضلوع. هنا، ستجدون الحب في أسمى تجلياته، والوفاء في أصعب اختباراته. أدعوكم لمشاركتي هذا الإبحار في عالمي الخاص، حيث الكلمة هي المأوى، والشعر هو الدواء.

مـتـاهـات الـحـنـيـن
ما زلتُ أعشقُ في هواكي
ما زلتُ أتمنّى الرجوعْ
كنتُ فاكر إنّي أنسى حبّكْ
لقيتُ شوقي زادَ ربوعْ
كنتُ فاكر نسيانكِ سهلٌ
ممكن أنسى بشوية دموعْ
نسيتُ نفسي ونسيتُ اسمي
وأنتِ اتحفرتي في الضلوعْ
غيابكِ أنتِ نارٌ بتكوي
ألمُه صمتٌ أقوى من الوجوعْ
سألتُ النجمَ عن ضياكي
وهل للّيلِ بعدكِ طلوعْ؟
رسمتُ في الوجدانِ وشماً
يُضيءُ في عتمتي كالشموعْ
ايا مَن سكنتِ النبضَ حيناً
وهدّت بصمتِها كلّ القلوعْ
أُغالبُ فيكِ كبرياءً هزيلاً
ويأبى القلبُ إلا الخضوعْ
فأنتِ الداءُ وأنتِ الدواءُ
وأنتِ القبلةُ عند الركوعْ

سُلطانُ الروح
أنتِ الوجودُ وما سواكِ فناءُ
والحبُّ في محرابِكِ الإيمانُ
يا مَن أطاحَ بقلبِهِ كبرياؤُها
فغدا لسطوةِ طيفِكِ الإذعانُ
إني رأيتُ بـ "مُقلتيكِ" عوالمي
وعرفتُ في عينيكِ كيفَ أُصانُ
تتكسّرُ الأبياتُ عندَ حضورِكِ
ويبوحُ صمتٌ خانَهُ الكتمانُ
يا أيّها النبضُ الذي بدمي سرى
في غمرةِ التيهِ أنتِ الأمانُ
جسدي لروحِكِ في الغرامِ طواعيةٌ
يُملي الهوى، والروحُ منكِ تُدانُ
هزي بقلبي، واعتلي عرشَ الهوى
فبِكِ استقامَ الدربُ والأركانُ
كوني المدى، كوني الحكايةَ كلها
فأنا أمامَ جمالِكِ.. إنسانُ
سَادِنَةُ الصَّرْحِ
عَجِزَ القَرِيضُ وَضَاقَتِ الأَوْزَانُ
أَنْتِ الوَفَاءُ وَمَا سِوَاكِ أَمَانُ
يَا مَنْ نَذَرْتِ العُمْرَ نَبْعَ مَحَبَّةٍ
يُسْقَى بِهِ الأَبْنَاءُ وَالخِلاَّنُ
قَامَتْ بِصَبْرِكِ لِلدِّيَارِ عِمَادُهَا
وَبِطُهْرِ سَعْيِكِ يَزْدَهِي البُنْيَانُ
فِي وَجْهِ لَيْلِ النَّائِبَاتِ مَنَارَةٌ
يَهْدِي الحَيَارَى ضَوْؤُكِ الرَّيَّانُ
بَذْلٌ سَخِيٌّ لا يَمُنُّ بِصُنْعِهِ
طِيبٌ يَفُوحُ، وَكُلُّكِ إِحْسَانُ
تُسْدِي الجَمِيلَ بِكُلِّ رِفْقٍ آسِرٍ
فَكَأَنَّ كَفَّكِ فِي المَدَى بُسْتَانُ
مِنْهُ المَوَدَّةُ وَالسَّكِينَةُ تُجْتَنَى
وَعَلَى مَرَافِئِ رُوحِكِ الإِيمَانُ
عَصَفَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ غَيْرَ مَآرِبٍ
فَكُنْتِ دِرْعاً حَاطَهُ الرَّحْمَنُ
إِلَيْكِ تَحِيَّةَ مُكْرِمٍ وَمُبَجِّلٍ
فَبِكِ اسْتَقَامَ الدَّرْبُ وَالأَرْكَانُ

طيف الغياب
غابَ الحبيبُ فأظلمتْ أنواري
وتأججتْ في صدريَ الأطوارُ
كم كان وجهُكَ لي مناراً هادياً
فغدا ظلامُ البعدِ هو جداري
أسري وأحلمُ باللقاء ولم يزلْ
طيفُ الحنينِ يعيد لي أذكاري
كنا وأيامُ الوصالِ حديقةً
تزهو بعطرِ الحبِّ والأزهارِي
أشتاقُ لمسةَ كفِّكَ الحنّاء في
زمنِ التلاقي يا ضيا أقماري
تلك الوحوشُ من المواجعِ أقبلتْ
تغتالُ صبري تهدمُ أسواري
هذي الوحاشةُ في فؤادي أحمقٌ
يقتاتُ روحي يصطلي بناري
يا لوعةَ الشوقِ الذي بددتَهُ
أملًا فأصبحَ سطوةَ الإعصارِي
أمسيتُ أكتبُ للفراغِ حكايةً
من دمعِ عيني أكتبُ أشعاري
الآن أيامي بلا طعمٍ مضتْ
وتغيرَ الحالُ استبدَّ قراري
ما عدتُ أعرفُ كيف أصبرُ بعدما
صار الفراقُ مكفِّناً لنهاري
عُـدْ فإنَّ الصبرَ قد أفنى دمي
وتركتَ قلبي نائماً للنارِي
[الخاتمة]
تنتهي الكلمات ولا ينتهي الحنين. لقد كان "متاهات الحنين" مرآةً تعكس صراعات النفس بين كبرياء الهوى وخضوع القلب. أتمنى أن تكون هذه الأبيات قد لامست جراحكم وضمدتها، وأن تجدوا بين سطورها صدىً لأصواتكم المخفية. شكراً لكل من قرأ، وشكراً للحياة التي تمنحنا الألم لنصنع منه شعراً يخلد. نلتقي دائماً على ضفاف الكلمة الطيبة.