أبو الطيب المتنبي: شاعر الكبرياء العربي وصوت الطموح الإنساني

أبو الطيب المتنبي: شاعر الكبرياء العربي وصوت الطموح الإنساني

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about أبو الطيب المتنبي: شاعر الكبرياء العربي وصوت الطموح الإنساني

يُعدّ أبو الطيب المتنبي أحد أعمدة الشعر العربي في العصر العباسي، بل هو في نظر كثير من النقاد أعظم شعراء العربية على الإطلاق. لم يكن مجرد شاعر يصف أو يمدح، بل كان مشروع شخصية تاريخية متكاملة، جمعت بين الطموح السياسي، والاعتداد بالنفس، والقدرة اللغوية الفائقة التي جعلت شعره حيًّا بعد أكثر من ألف عام على وفاته.


النشأة والبدايات

وُلد المتنبي سنة 303هـ/915م في الكوفة، في بيئة مضطربة سياسيًا وثقافيًا. كانت الدولة العباسية قد دخلت طور التفكك، وبرزت الدويلات المستقلة في الشام ومصر والعراق. في هذا المناخ تشكّلت شخصية الشاعر، فشبّ طموحًا، عالي الهمة، مؤمنًا بفرادته.

لقّب بـ"المتنبي" لأنه ادّعى النبوة في شبابه في بادية السماوة، ثم تاب عن ذلك بعد أن سُجن. ورغم أن الحادثة ظلت تلاحقه، فإنها كشفت عن عنصر أساسي في شخصيته: الإيمان المطلق بذاته وبقدرته على تجاوز المألوف.


المتنبي وسيف الدولة: مجد الشعر والسياسة

بلغ المتنبي ذروة مجده حين اتصل بالأمير الحمداني سيف الدولة الحمداني في حلب. هناك، في بلاط حافل بالعلماء والشعراء، صاغ أروع قصائده في المدح والفخر والحماسة.

في شعره لسيف الدولة، لم يكن المدح تقليديًا؛ بل كان تصويرًا لمعركة حضارية ضد الروم، وتمجيدًا لفكرة البطولة العربية. يقول:

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
وتأتي على قدر الكرام المكارمُ

هنا يتجاوز المتنبي شخص الأمير إلى تمجيد قيمة "العزم" ذاتها، وكأنه يكتب بيانًا أخلاقيًا للعصر.

لكن العلاقة لم تستمر؛ إذ دبّ الحسد في البلاط، وحدثت قطيعة بين الشاعر والأمير، فغادر حلب وقد ترك فيها أجمل شعره وأصدق عاطفته.


في مصر: صدام الطموح بالواقع

انتقل المتنبي إلى مصر، حيث مدح كافور الإخشيدي، حاكمها الفعلي. غير أن العلاقة هنا اتسمت بالتوتر. كان المتنبي يطمح إلى ولاية أو منصب سياسي، لكنه لم ينل ما أراد. فتحول مدحه إلى هجاء لاذع بعد مغادرته مصر، ومن أشهر ما قاله:

لا تشتري العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيدُ

يعكس هذا التحول جانبًا معقدًا في شخصية المتنبي؛ فهو شاعر لا يرضى بأن يكون تابعًا، ويعتبر الشعر وسيلة للارتقاء لا للتكسب فقط.


فلسفة الكبرياء والذات

أكثر ما يميز المتنبي هو حضوره الطاغي في شعره. نادرًا ما نجد شاعرًا عربيًا جعل من ذاته محورًا للقصيدة كما فعل هو. يقول:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ

هذا الفخر ليس مجرد مبالغة شعرية، بل هو إعلان عن وعي استثنائي بالموهبة. لقد صنع المتنبي صورة الشاعر "الأسطورة"، الذي يعلو على عصره ويواجه خصومه بثقة مطلقة.


اللغة والأسلوب

تميّز شعر المتنبي بقوة التركيب، وعمق المعنى، وكثرة الحكم والأمثال. كثير من أبياته تحوّل إلى أمثال سائرة في الثقافة العربية، مثل:

"إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ"

"ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ"

جمع في شعره بين الفلسفة والتجربة الشخصية والبلاغة الرفيعة، مما جعله مادة خصبة للدراسة النقدية عبر القرون.


مقتله ونهاية الأسطورة

قُتل المتنبي سنة 354هـ/965م قرب بغداد، حين اعترضه فاتك الأسدي طلبًا للثأر بسبب قصيدة هجاء. وتروي المصادر أن المتنبي حاول الفرار، فقيل له: "أين قولك: الخيل والليل والبيداء تعرفني؟" فعاد وقاتل حتى قُتل.

سواء صحت الرواية أم لا، فقد انسجمت النهاية مع صورة الشاعر الذي عاش كبيرًا ومات كبيرًا.


أثره في التراث العربي

لا يمكن الحديث عن الشعر العربي دون الوقوف طويلًا عند المتنبي. فقد أثّر في شعراء العصور اللاحقة، من الأندلس إلى العصر الحديث. وقد انشغل النقاد بشرحه وتأويله، حتى قيل: "شعر المتنبي لا يُقرأ، بل يُدرّس".

إنه شاعر عبّر عن طموح الإنسان في مواجهة قدره، وعن صراع الموهبة مع السلطة، وعن الإيمان العميق بالذات. ولهذا ظل حيًا في الوجدان العربي، حاضرًا في السياسة والثقافة والخطاب اليومي.


خلاصة

كان أبو الطيب المتنبي شاعرًا استثنائيًا جمع بين عبقرية اللغة وحدّة الطموح. لم يكن شعره ترفًا فنيًا، بل كان سيرة ذاتية مشتعلة، وصراعًا مفتوحًا مع العالم. ولذلك بقي اسمه مرادفًا للفخر والبلاغة والكبرياء في تاريخ الأدب العربي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

250

متابعهم

73

متابعهم

195

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.