ليه بنصدق حكاية المؤذى أكتر من وجعنا ؟
ليه بنصدق حكاية المؤذى أكتر من وجعنا؟
في كثير من النزاعات الإنسانية، نجد ظاهرة غريبة ومؤلمة: الضحية تتألم في صمت، بينما "المؤذي" يقف في المنتصف يحكي قصة تجذب العقول وتكسب التعاطف. السؤال الذي يطرح نفسه دائماً: لماذا نميل لتصديق الجلاد وتكذيب صراخ الضحية؟
1. بريق "الرواية المتماسكة" مقابل “تشتت الوجع”
المؤذي غالباً ما يملك قصة مرتبة، فيها بداية وعقدة ومنطق مزيف، لأنه يحكي من "عقله" بهدف الإقناع. أما المظلوم، فيحكي من "وجعه"؛ كلامه مشتت، مشاعره مهتزة، وقد ينسى تفاصيل هامة بسبب الصدمة. الناس -للأسف- يميلون لتصديق القصة الأكثر ترتيباً، لا القصة الأكثر صدقاً.
2. سحر "الكاريزما" والقدرة على التلاعب
يمتاز الشخص المؤذي (خاصة الشخصيات النرجسية) بقدرة فائقة على لعب دور الضحية (Victim Playing). لديهم قدرة مرعبة على قلب الحقائق وإظهار أن رد فعلك الغاضب على أذاهم هو "الأصل" في المشكلة، فيبدو للعالم أنك أنت الشرير وهو المسالم المظلوم.
3. الميل لعدم إزعاج “الراحة النفسية”
تصديق أن هناك شخصاً "مؤذياً" بيننا يتطلب منا اتخاذ موقف، وهذا أمر متعب ومزعج للناس. لذا، من الأسهل على المحيطين تصديق رواية المؤذي لأنها غالباً ما تهدف لتهدئة الأمور أو إلقاء اللوم على الطرف "الأضعف"، مما يحافظ على توازن المجتمع الصغير حولهم دون شوشرة.
4. ظاهرة “الانحياز للمنتصر”
في العقل الجمعي، القوي هو من يملك الميكروفون. المؤذي يبادر بالحديث، ينشر روايته أولاً، ويثبت أركانها. وعندما تصل الضحية وهي منهكة لتدافع عن نفسها، يجد الناس أنهم قد "تشبعوا" برواية سابقة، فيصبح تغيير رأيهم عبئاً ذهنياً لا يريدون القيام به.
كيف تحمي نفسك من هذا الخلل؟
• لا تبرر لمن قرر ألا يفهمك: طاقتك أغلى من أن تضيع في إثبات وجعك لمن يرى الابتسامة الزائفة أصدق من دموعك.
• وثق حقيقتك لنفسك أولاً: لست ملزماً بإقناع العالم، يكفي أن تعرف أنت حقيقتك لتبدأ رحلة التعافي.
• ابحث عن "الشهود" الحقيقيين: تمسك بمن رأوا أثر الأذى عليك قبل أن يسمعوا الروايات المنمقة.
خاتمة المقال:
إن الحقيقة وإن طال طمسها تحت ركام الروايات المنمقة تظل كالشمس، لا يحجبها غربال الزيف مهما برع الجلاد في نسجه. إن تصديق حكاية المؤذي ليس دائماً دليلاً على ذكائه، بل هو في الغالب انعكاس لضعف بشري يميل للقصة الأسهل والأكثر راحة، والهروب من مواجهة الحقيقة المرة التي تتطلب موقفاً أخلاقياً شجاعاً.
لذلك، يا من تشعر أن وجعك مهزوم أمام بريق كلماتهم، تذكر دائماً أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُستمد من "صورة" يرسمها الآخرون عنه، بل من نقاء سريرته وصدق معاناته. لا تُهدر عمرك في محاولة إثبات ألمك لمن قرر سد أذنيه، ولا تسمح لمن أذاك بأن يسرق منك "حقيقتك" بعد أن سرق منك سلامك النفسي. العالم قد يصفق للممثل البارع على خشبة المسرح، لكن في نهاية العرض، يذهب الجميع لبيوتهم ويبقى الممثل وحيداً مع كذبه، وتبقى أنت مع صدقك الذي هو أعظم انتصار. كُن أنت الشاهد الأول والوحيد على حقيقتك، فهذا يكفي ليبدأ فجر التعافي في بزوغه، ولتعلم يقيناً أن دوام الحال من المحال، وأن الأيام كفيلة بكشف الزيف وإعادة الاعتبار لكل قلب أضناه الوجع وأنكره المقربون.
الوجع لا يحتاج إلى "سيناريو" ليكون حقيقياً، والحقيقة تظل حقيقة حتى لو لم يصفق لها أحد.