ثمار الربيع العربي
سر نجاح الثورة السورية في إسقاط نظام الأسد مقارنة بفشل معظم ثورات الربيع العربي

في ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد بعد هجوم خاطف قادته هيئة تحرير الشام وتحالف فصائل، منهيًا حكم عائلة الأسد الذي تأسس ظاهريًا على أسس القومية العربية وإقامة دولة عربية قائمة على أسس العدل والبناء الذي يصب في خدمة الشعب العربي المنتمي للأمة العربية والإسلامية أما باطنه فمجرد تسلط وهيمنة فردية لثلة من الأشخاص من طائفة محددة انخرطت في نظام عابر للحدود يحمل الفكر الشيعي يدعي تحرير المسلمين من الهيمنة الغربية والإيحاء بمركزية القضية الفلسطينية والذي دام أكثر من نصف قرن. هذا الانتصار جاء بعد 13 عامًا من الثورة التي انطلقت سلمية في 2011 ضمن الربيع العربي، ثم تحولت إلى أعنف صراع في المنطقة.
ما يميز المسار السوري هو عدم السقوط السريع للنظام، بل الاستمرار الطويل الذي أنتج – رغم الكلفة الباهظة – انتقالًا نسبيًا منظمًا. بخلاف تونس (انتقال هش)، مصر (انقلاب عسكري)، ليبيا واليمن (فوضى مستمرة)، نجحت سوريا في ملء الفراغ بسرعة. فما السر؟
طول المدة: عامل "التنقية" والتهيئة
في ثورات 2011، سقطت الرؤوس بسرعة فخلق فراغًا مؤسسيًا فوريًا أدى إلى صراعات داخلية أو تدخلات خارجية فوضوية. أما في سوريا، فالـ13 عامًا عملت على تصفية واستخلاص صفاء المعدن:
- إضعاف أو إزالة الفصائل المتطرفة (داعش، حراس الدين) والفصائل غير المنظمة.
- صعود هيئة تحرير الشام كقوة مهيمنة في الشمال الغربي بعد صراعات داخلية (2017–2019).
- "تنقية الساحة" من اللاعبين غير القادرين على الحكم، وبقاء الأقوى تنظيميًا.
بناء بديل جاهز: نموذج إدلب "دولة مصغرة"
بنَت هيئة تحرير الشام منذ 2017 مؤسسات تحت "حكومة الإنقاذ": قضاء، أمن، خدمات صحية وتعليمية، أكاديمية عسكرية، تصنيع أسلحة (مسيرات)، وإيرادات من معابر (باب الهوى). هذا النموذج أثبت كفاءة، فجعل الهيئة جاهزة لملء الفراغ عند السقوط، بخلاف غياب البديل في ليبيا أو اليمن.
حنكة أحمد الشرع: التحول البراغماتي والدهاء الاستراتيجي
تحولت هيئة تحرير الشام من تنظيم مرتبط بالقاعدة إلى قوة براغماتية تحت قيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا):
- فك الارتباط بالقاعدة (2016).
- خطاب وطني معتدل، وعود بحماية الأقليات (رغم انتقادات سابقة).
- تركيز على الحكم المحلي والإدارة بدل الجهاد العابر.
حنكة الشرع أبهرت الكثيرين: قدرته على المناورة السياسية، انتزاع الشرعية الدولية تدريجيًا (رفع عقوبات أمريكية جزئيًا ثم كليًا)، إدارة التحالفات الخارجية (تركيا، روسيا، حتى مفاوضات مع أطراف كردية)، وتفكيك مخططات التقسيم المحتملة. هذه الحنكة – المبنية على تجارب طويلة في الصراع – ساهمت في جعل الانتقال أكثر تماسكًا من المتوقع.
العامل الخارجي: توقيت مثالي وضعف حلفاء الأسد
انهار الجيش النظامي سريعًا لاعتماده على:
- روسيا (مستنزفة في أوكرانيا منذ 2022).
- حزب الله (مهزوم جزئيًا بعد 2023–2024).
- إيران (تراجع اقتصادي وسياسي).
حنكة الشرع استغلت هذا التوقيت بدقة: ضغط عسكري مدروس مع دبلوماسية تجنبت التصعيد غير الضروري، مما سمح بدخول منظم دون تدخل خارجي معاكس كبير (كما في ليبيا 2011).
التحديات المستقبلية: النجاح الحقيقي في البناء
حنكة الشرع ساعدت في الإسقاط والانتقال الأولي، لكن الاختبار الآن: إعادة إعمار اقتصاد مدمر (انخفاض الناتج 70%)، مصالحة وطنية مع الأقليات (علويين، دروز، أكراد)، تجنب الطائفية، وتحويل ميليشيا إلى دولة مؤسساتية. أي فشل قد يعيد سوريا إلى فوضى مشابهة لليبيا.
خاتمة
نجحت الثورة السورية بفضل طول المدة (تنقية الساحة)، بناء بديل (نموذج إدلب)، توقيت خارجي مثالي، وأبرزها **حنكة أحمد الشرع** الذي جمع بين الدهاء العسكري والبراغماتية السياسية. هذا يجعلها "النجاح المتأخر" للربيع العربي، بخلاف الفشل الناتج عن الفراغ في 2011. الثورة أسقطت الطاغية، لكن "الربيع الحقيقي" يعتمد الآن على استمرار هذه الحنكة في بناء دولة موحدة، غير طائفية، ومستدامة اقتصاديًا. الطريق طويل، لكن البداية واعدة نسبيًا.